محمد بن عبد الله الصفار

39

رحلة الصفار إلى فرنسا

الخارجية بالاعتماد في ذلك على قناصل مقيمين في مختلف أرجاء المعمورة ، فإن غالبية الدول الإسلامية بما فيها المغرب ، لم تكن تعتمد ، إلى حين حلول العصر الحديث على وجود هيئة دبلوماسية محترفة ، ولم تكن دشنت بعد مسطرة إنشاء السفارات الدائمة خارج حدودها . وجرت العادة دائما على إسناد مهمة القيام بالمفاوضات إلى مبعوثين خاصين يختارهم حاكم البلاد ، فيتوجهون في رحلتهم إلى الخارج لتنفيذ المهام المنوطة بهم ، ثم يعودون إلى بلدهم الأصلي بمجرد إنهائها . ومع ذلك ، فإن وقوع الاختيار على شخص ما ليكون مبعوثا إلى بلد أجنبي ، كان تشريفا حقيقيا وكبيرا له . ومن ثم فإن وقوع الاختيار على شخص ليتوجه في مهام دبلوماسية كان أمرا مرغوبا فيه بل كان الناس يتهافتون على الفوز بتلك الحظوة . وفي ذلك الإطار ، ما لبثت أن شاعت فكرة اقتناع السلطان وعزمه على توجيه مبعوث عنه إلى فرنسا ، حتى أصبح موضوع انتخابه للشخص المناسب موضوعا للكثير من التخمينات والأقوال المتضاربة . بلغ ليون روش ، عن طريق مخبريه الموجودين داخل القصر السلطاني ، أن موضوع السفارة أصبح حديث الساعة وأن ألسنة الجميع قد أصبحت منشغلة به . وكان لكل فريق مرشحه الخاص به ؛ إذ جاء في تقرير للقنصل الفرنسي بطنجة إيدم دو شاستو ( Edme de ch teau ) ، أن « ابن إدريس اقترح مرشحا واحدا ، وأن بوسلهام اقترح واحدا غيره ، في حين كان الإمبراطور يميل إلى اختيار أحد أثرياء تجار فاس » « 1 » . وقد حاول ليون روش التأثير على السلطان حتى يقدم على اختيار مبعوث جيد ، فعمد إلى التذكير بأيام السلطان المولى إسماعيل والملك لويس الرابع عشر ، حينما اتسمت العلاقات بين بلديهما بمظاهر « العظمة والأبهة ، والنتائج الطيبة » ، فبذل قصارى جهده لحث المغاربة على تعيين « شخص تجتمع فيه جميع الصفات

--> ( 1 ) AAE / CPM 14 / 83 - 84 ، دو شاستو ( de Chasteau ) إلى كيزو ، 3 غشت 1845 . في البداية أشار الفرنسيون إلى ترشيح كل من مصطفى الدكالي وأحمد التمسماني ، وهما تاجران ولهما علاقات قوية مع الخارج . غير أن نية السلطان لم تكن كذلك . وحسب مضمون إحدى الرسائل المحفوظة بمديرية الوثائق الملكية ، فإن السلطان كان يفضل مبعوثا له « عارفا بأمور المخزنية ليس واحدا من التجار » . رسالة ابن إدريس إلى بوسلهام ، 14 رجب 1261 / 19 يوليوز 1845 . مسجلة تحت رقم 17571 .