محمد بن عبد الله الصفار
248
رحلة الصفار إلى فرنسا
وبعد ذلك بأيام ، حثوا علينا في الذهاب لقصرين من قصورهم السلطانية خارج باريز ، أحدها ببلدة يقال لها سنكلو « 1 » ، والآخر ببلدة أخرى يقال لها فرسان « 2 » وهما قريبان من باريز . فذهبنا إليهما ، فإذا هما من القصور المشيدة ، احتف بكل واحد منهما بستان عظيم ، فيه أشجار أنيقة ومياه متدفقة ، وخصص وصهاريج وتماثيل كلها تبزق الماء الزلال . ومما رأيناه في واحد منها طبلة من الرخام ، زعموا أنها كانت خشبة وألقيت في الماء وبقيت فيه حتى صارت رخامة ، وذلك عندهم خشب مخصوص . واعتناؤهم في البساتين غالبا إنما هو مد الطرقات وتعديلها ، وتنقية الأشجار حتى تكون مستوية مع بعضها بعضا من فوق ومن تحت . وفيها جلسات وتربيعات وأشكال النباتات ، وبيوت للنباتات التي لا يخرجونها زمن البرد . والماء بها كثير ، ولا يدرك لها طرف لكبرها . وغالب ما رأيناه في قصور في فرسان تصويرات الحروب من أول الزمان إلى الآن ، لاكن لا يصورون إلا الحروب التي كانت لهم فها الغلبة ، ولا يصورون أنفسهم . ومما يحكى ، أن شخصا مر بالسوق فرءا الناس ، مجتمعين على صورة رجل وأسد تعاركا فغلب الرجل الأسد ، فذهب فلقي أسدا فأخبره بما رءا فقال له : « لو كان الأسد يعرف التصوير لرأيت ما يفعل ، وحيث لا يعرفه ، فليصور كل واحد ما شاء » . وفيه تصاوير كبرائهم وعظمائهم وسلاطينهم وشجعانهم ورهبانهم ، منها ما هو من الحجارة ومنها ما هو نقش ورقوم . فرأينا عندهم هناك صورة دخولهم مدينة الجزائر ودخولهم مدينة القسمطينة . وصورة تغلبهم على تلك النواحي كلها . وصورة السلطان العثماني عبد المجيد ، وصورة محمد بن علي باشا مصر . وغالب درج هذا القصر من المرمر الملون ، وفيه مواضع وبيوت كانت لسلطانهم لويز السادس عشر « 3 » . ولما مات بقيت تلك الأماكن على هيئتها بجميع أثاثها ، يحفظ ويصان حتى فراشه ومواضع جلوسه وتاجه وكنيسته ، الكل باق على حاله إلى آخر ما هنالك من الزخارف .
--> ( 1 ) سان كلود ، ويقابلها بالفرنسية ( Saint Could ) . ( 2 ) يقصد فرساي وبالفرنسية هكذا : ( Versailles ) . ( 3 ) وهو ملك فرنسا الذي أعدم هو وزوجته ماري أنتوانيت ( Marie Antoinette ) بمقصلة الثورة الفرنسية والتي لم يقل عنها الصفار شيئا على الإطلاق في متن رحلته ، انظر : Dictionnaire d'histoire de France Perrin , ed 1981 . , s . v . " Louis XVI " .