محمد بن عبد الله الصفار
232
رحلة الصفار إلى فرنسا
ظهره فيه ما يمكنه حمله من مأكول وغيره . وعلى فم ذلك القراب ثوب مقنط لعله فراشه ، وبيده مكحلته وعليه سيفه . ويعلق عليه أيضا ما يجعل فيه البارود والقراطيس وإقامات الحرب . وهذا كله مبالغة في الحزم ، فإذا أمره كبيره بالسفر ، يجد نفسه مستجمعا لكل ما يحتاج إليه . ثم بعد أن مرت جموع الرجّالة ، تلتهم أصحاب المدافع ثم الفرسان . وكان عندهم هنالك أربعة وعشرون مدفعا من مدافع الاثني عشر ، كلها تشرق لصقالتها وصفائها ، في أربعة صفوف . كل صف فيه ستة مدافع ، وكل صف من المدافع يتلوه صف آخر يحمل إقامتها في ربيعتين « 1 » لكل مدفع . وكل مدفع على كريطته يجرها ستة من الخيل ، اثنان أمام اثنين . ولكل مدفع عشرة من الطبجية يباشرون عمارته وإخراجه وجره ، ثلاثة منهم راكبون على ثلاثة من الخيل ، وباقيهم راكب على المدفع وعلى كراريط إقامته ، ويعلق على كل كريطة فردة كريطة أخرى يحملونها احتياطا ، ليلا ينكسر لهم شيء من ذلك ، فيجدون خلفه قريبا حاضرا ، حتى مرت صفوف المدافع كلها بإقاماتها . ثم أقبلت الخيل تتلوهم ، انقسموا أيضا أقساما وقطعا كما تقدم العسكر الرجلى . وأول من يتقدمهم أصحاب الموسيقى راكبين على خيولهم ، لاكن إنما هم أصحاب الغيطات وليس فيهم أطبال . وهاؤلاء الخيالة أنوع : منهم طائفة بأيديهم سيوف مسلولة ومكاحلهم قصار معلقة عن يمينهم . ومنهم طائفة بالرماح فقط ، في رأس كل رمح رقعة صغيرة مثلثة اللون بيضاء وحمراء وزرقاء ، يرى لها خفقان واضطراب من بعيد ، زيادة في الإدهاش والإرهاب ، يفزعون بها كما يفزعون ببريق السيوف المسلولة والتوافل والبيضات التي على رؤوسهم . ومنهم طائفة بالبيضات على رؤوسهم « 2 » .
--> ( 1 ) مفردها ربيعة بتسكين الراء ، ومعناها هنا صندوق يستعمل لحفظ البارود ، واستعمال هذه اللفظة شائع في العامية المغربية . التي غالبا ما تعني صندوقا من حجم صغير يحتفظ فيه بالأشياء الثمينة . لكن من الممكن أن تكون الربيعة كبيرة الحجم ، كما هو حال الصندوق الذي يوضع في أضرحة الأولياء لتجمع فيه الهبات النقدية المقدمة من طرف الزوار . انظر : Harrell , p . 123 ( 2 ) أشار ابن خلدون في المقدمة إلى مدى وقع التأثير النفسي للرايات والموسيقي أثناء المعارك ، فقال إن الهدف من « نشر الألوية والرايات وقرع الطبول والنفخ في الأبواق والقرون » هو إرعاب العدو . وأضاف قائلا : « إن النفس عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب بلا شك ، فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب ويستميت في ذلك الوجه [ . . . ] لأجل ذلك تتخذ العجم في مواطن حروبهم الآلات الموسيقية » . المقدمة ، النسخة العربية سابقة الذكر ، ص 258 .