محمد بن عبد الله الصفار

228

رحلة الصفار إلى فرنسا

معين . وهم إذا ظفروا بحاجة ملك أو كبير أو شيء غريب ، حافظوا عليه وتركوه في خزائنهم عبرة إلى آخر الدهر ، ولم يضيعوه ولا يفرطون فيه . وكثير من سكك القدماء منها ما هو من مثل الحجر أو الحديد ، ومنها غير ذلك ، وكل سكك ملوك الأندلس وملوك المغرب . وكل سكة موضوعة في دارة صغيرة مكتوب عليها اسم سلطانها ومحلها ، فهي منزلة في مثل بيوت الجدول غطيت من فوق بزجاجة لتحفظها . وهناك كثير من أشكال مفاتح الأولين وأثاثهم ، من جملتها قدح من الذهب مرتفع على ساق صغير مرصع بالجواهر والأحجار ، زعموا أنه كان لهارون الرشيد « 1 » أرسله لهم مكافأة على مصحف كان عندهم ، وبعث له به سلطانهم . وكثير من مئاثر اليونانيين ، وما كانوا يجدونه من قلائد الذهب في قبور الجاهلية « 2 » التي كانوا يدفنونها معهم ، إلى غير ذلك من الأمور . ومن بعد الغد أمر لنا السلطان بسرد العساكر ، واستدعانا للفرجة فيها مبالغة في إكرامنا والاعتناء بنا ظاهرا ، لأنه لا يفعل ذلك إلا لمن هو عنده في حظوة ، وزيادة في تبكيتنا والتنكيت علينا باطنا « 3 » . فذهبنا حتى وصلنا إلى دار كبيرة ، فأركبوا رءيسنا وبعض فرسانه على الخيل ، وأطلعوا باقينا لعالي تلك الدار ، فأشرفنا على ميدان كبير واسع ممتد ، والعسكر واقفون به يمينا وشمالا ، الخيل لجهة والرجالة في جهة . ولا ترى إلا بريق السيوف ولمعان التوافل ، وإشراف البيضات التي على رؤوس البعض منهم ،

--> ( 1 ) هو خامس الخلفاء العباسيين ( توفي في 193 / 809 ) ، اتسعت شهرته بفضل كتاب ألف ليلة وليلة . وترددت أقوال عن تبادل السفراء والهدايا بين هارون الرشيد وملك فرنسا شارلمان ( Charlmagne ) غير أن المصادر العربية لا تتضمن أي معلومات يمكن اعتمادها لتأكيد صحة تلك الأقوال . انظر : Hitti , History of the Arabs , p . 298 ; EI 2 ; s . v . " Harun Al - Rachid " . ( 2 ) تطلق لفظة الجاهلية للحديث عن مختلف مظاهر الحياة التي كان يوجد عليها العرب قبل الدعوة الإسلامية . وقد استعملها الصفار هنا بمعنى العهود التاريخية القديمة . انظر : SEI , s . v . " Djahiliya " . ( 3 ) أجري ذلك الاستعراض يوم السبت 17 يناير 1846 ، في موضع يسمى شان دومارس ( Champs - de Mars ) . وقد جمعت الفرق العسكرية من باريز وضواحيها لإعطاء صورة إلى السفير المغربي « عن مختلف أنواع الأزياء العسكرية الفرنسية العجيبة » ، فتحركت تلك الفرق « بدقة متناهية أدت إلى استغرابه الكلي وأثارت كل إعجابه » . انظر جريدة الإلوستراسيون L'illustration : ، بتاريخ 31 يناير 1846 ، وانظر أيضا اللوحة رقم 9 في هذا الكتاب .