محمد بن عبد الله الصفار

224

رحلة الصفار إلى فرنسا

ومن أبلغ أنواع الرقص عندهم ، أن يمسكها الرجل من خصرها ، فيجعل ذراعه على خصرها ويضمها لعنده بلطافة بحيث لا يعصرها ، ويجعل يرقص معها . ورقصهم إنما هو بالدوران والإشارة بالقدمين ، ويرقص النساء وحدهن والرجال وحدهم . وتارة يمسك رجلان امرأة ويرقصان معها ، وليس ذلك عندهم عيبا ولا مخلا بالمروءة ، فترقص المرأة بحضور زوجها مع غيره . وإذا ترادف عليها الرجال بحيث يطلقها هذا ويمسكها هذا رغبة منهم في الرقص معها ، فتنشط لذالك وتفرح له وتعظم في نفسها لكون رقصها معجبا . وقد رأيت السلطان بنفسه واقفا وأولاده ونساء أولاده وبناته يرقصون مع بعضهم بعضا ومع غيرهم ، وهو يفرح لذالك ويضحك « 1 » . والحاصل هذا عندهم من الفرح الكبير والزهو العجيب ، الذي لا يأتي إلا مرة أو مرتين في السنة . ويبقون يرقصون ساعة ، فتسكت الموسيقى ويفترون للاستراحة ثم يعودون ، وهكذا إلى آخر اليل . ومن أحب من الحاضرين أن يستريح ، خرج إلى بيت آخر معد عندهم للاستراحة فيجلس فيه ، وأما في محل الفرجة فلا يجلس إلا النساء . ومن أراد الشراب أو التفكه بالفواكه أو الحلاوي ، خرج إلى بيت آخر فيه سائر ذلك ومعه خدمة يناولون من أراده طول اليل . حتى إذا فرغوا من الرقص واستقصوا فيه مجهودهم أمسكوا عنه ، فنصبت موائد الأطعمة والطبلات ، بل كانت تهيأ من أول اليل في موضع على حدته . وليس هذا الطعام إلا للنساء ، فاعتزل النساء كلهن على حدتهن في بيوت ، ثم حشدن لموضع الطعام وجلسن على تلك الطبلات فأكلن وشربن . ومن اعتنوا به من الرجال ، أجلسوه في بيوت عالية تشرف على ذلك المحل لينزه لواحظه . قيل إن جملة من حضر هذه الليلة من الرجال والنساء أربعة آلاف ، النساء منهن خمس عشرة ماية . وكانت صيلان هذه الدار على كثرتها واتساعها مشحونة بالناس في غاية التزاحم والتضام ، بحيث لا يمكنك أن تشق بالمرور في وسطهم . وذكروا أن جملة ما يصرفه السلطان على هذه الليلة عشرون ألف ريال . وأما ما كان يوقد فيها من الشموع والزاجات فالآلافات التي لا تحصى .

--> ( 1 ) قارن بين هذا الوصف وما كتبه الغساني عند حديثه عن عادات الرقص وطرقه المعروفة عند الإسبانيين . انظر : افتكاك ، ص . 30 .