محمد بن عبد الله الصفار
216
رحلة الصفار إلى فرنسا
فالنار للماء الذي هو ضدها * تعطي النضاج وطبعها الإحراق فلا لوم في ذلك ولا عتاب . وفي الحديث : « إنا لنكثر في وجوه قوم قلوبنا تلعنهم » . وبعد فراغه من سردها فسرها الترجمان ، ثم أخرج السلطان من جيبه ورقة أيضا جوابا لذالك ، مضمنها أنه يحمد الله على ما تجدد من المهادنة والمحبة والمودة بينه وبين سلطان المغرب ، وأنه لا يصدر منه مع دولة مراكش والمغرب إلا ما يجري على مقتضى ذلك . وسردها بعجميته ، ثم فسرها الترجمان بالعربية . ثم ناوله كتاب أميرنا نصر الله ، فقبضه قبض تعظيم ، ثم انصرفنا من عنده فلقينا بناته وزوجته وقريباته متأدبين معنا ، ولا طفنا بأطيب كلام ، ثم رجعنا . وبعد وصولنا لمحلنا ، قدمت علينا من عنده بطاقات يطلب منا أن نشرفه بالقدوم إليه ليلا لنتعشى عنده . فلما كان الليل ذهبنا إليه ، فدخلنا تلك الصالات فألفيناها قد أوقد فيها الشموع في ثريات عظيمة من البلور يخطف شعاعها البصر . وفي جوانب الصالات وصدرها مراءي كبير عظيمة أكثر من قامة الإنسان ، تنطبع فيها تلك الثريات بشموعها وسائر ما في البيت ، فيخيل للناظر أنها صالات أخر فيها مثل ذلك ، وذلك لشدة صفاء المرءات . فألفيناه قد أحضر جميع وزرائه وعظماء دولته ونسائه وبناته وسائر أولاده ونساء أولاده ، فكان الجميع نحوا من سبعين نفسا . فأدخلنا لصالة الأكل ، فألفينا فيها طبلة كبيرة تسع العدد المذكور ، وهي مستطيلة بحيث لا يستثبت من يكون في طرفها من هو في الطرف الآخر . قد صفف عليها أواني الفواكه والحلاوات ، وفي وسطها صفان متقابلان من حسك الشموع ، كل حسكة بأفواه عديدة ستة أو سبعة . وبين الصفين صف آخر من أواني النوار والأزهار . وكل حسكة منزلة في طبلة مذهبة ، وفوق الطبلة على طول الصالة ثريات من البلار تضيء بالشموع ، وفي جوانبها ثريات صغار بالشموع أيضا ، فكان جملة ما يوقد في تلك الصالة من الشموع ثلاثمائة وثلاثين . وكل ما يدور على تلك الطبلة من الأواني فهو من الذهب والفضة . وكل الجالسين عليها لابسون الذهب على ثيابهم وسيوفهم ، فكان في ذلك منظر رائق وجمال فائق من شعاع الشموع ولمعان الأواني ولباس الجالسين وصفاء المراءي والثريات . وما على النساء من فاخر الدرر