محمد بن عبد الله الصفار

187

رحلة الصفار إلى فرنسا

وقد رأينا مرة موضعا عندهم يسمونه الديوراما « 1 » ، دخلناه نهارا فصعدنا في درج مظلمة حتى انتهينا إلى أعلاه ، وهو مظلم إلا أن فيه بعض الضوء من كوة هنالك ، وهو على شكل التياتروا . فأرخيت الستارة وجعلوا يجهزون المكان خلفها ، فلما رفعت ظهرت كنيسة ذات قبب وسواري وخصص كانت مضيئة بضوء النهار ، أعني بضوء مصور كأنه ضوء النهار ، ثم أخذ في النقصان كأنها عشية والشمس تئول للغروب ، حتى ذهب الضوء كله واستحكمت الظلمة ، فظهر نور خفي فجعل يكبر وينتشر حتى ظهرت ثريا كبيرة معلقة في وسطها تضيء ، وظهر معها في أرض الكنيسة ناس كثيرون يصلون ولم يكن لهم ظهور قبل ذلك مع أنه لم يتغير التصوير . وكان الناس صغارا في رأي العين فجعلوا يكبرون ويعظمون ، ثم أرخيت الستارة وغير التصوير . فلما ارتفعت ظهرت مدينة عظيمة ذات بناء محكم وبرج عال مستحكم ، ويخرج من خلالها نهر عليه قنطرة عظيمة وفيه سفينة صغيرة . وفي أعلا المدينة من جبل إلى جبل قنطرة أخرى كبيرة من قناطر الحديد ، وحول المدينة أشجار ونبات ، فجعل الثلج ينزل عليها ونحن نرى الثلج نازلا ، وهو أبيض مترادف قوي ونسمع وقعه على السقف فوقنا ، بحيث من لم يكن له علم أن ذلك لعب فلا يشك أنه الثلج حقيقة . فبقي ينزل حتى صار كل شيء أبيض ، وكادت أن تتغطى المدينة به ، ثم فتر وجعل يسيل من فوق السطوح ويجري في الطرق . ثم أرخيت الستارة وغير التصوير ، ثم رفعت فظهرت مدينة أخرى ذات بناء

--> ( 1 ) كانت الديوراما ( Diorama ) ، التي اخترعها الفرنسي لوي جاك ماندي داكير ( Louis - Jacques - Mande ? Daguerre ) ( 1787 - 1851 ) ، من وسائل الفرجة التي استهوت الباريزيين في القرن التاسع عشر . وهي منظر بانورامي خلف الستار يحضر برسوم مصغرة لأشياء مختلفة ، ويمكن مشاهدته من خلال فتحة صغيرة وتكون درجة الإنارة قوية بالشكل الذي يجعل المشهد يبدو للناظرين إليه نابضا بالحيوية والواقعية . Dolf Sternberger , Panorama of the Nineteenth Century , trans Joachim Neugroschel ( New York , 1977 ) , pp . 188 - 189 ; La Grande Encyclope ? die Larousse , ed . , 1973 ; s . v . " Daguerre , Louis - Jacques - Mande ? " . وكان الصفار قد شاهد فيها عرضا حول تغير الفصول ، بالإضافة إلى مشهد داخلي لكنيسة القديس مارك ( St . Mark ) في مدينة البندقية ، انظر جريدة الإلوستراسيون L'illustration ، 7 فبراير 1846 .