محمد بن عبد الله الصفار

158

رحلة الصفار إلى فرنسا

وقد ركبنا في طريق حديد أخرى من باريز لبستان من بساتينهم « 1 » ، فمررنا في مواضع تحت الجبال حتى وقعنا في الظلمة الشديدة ، فاحتاجوا أن يجعلوا فيها قناديل تضيء بالنهار . وبقينا سائرين تحت واحد نصف ميل ، فلما خرجنا رأيت أنه كان فوقنا أشجار وبناء وأرضون ونحن سائرون تحتها . وطرق الحديد عندهم على ضربين ، أحدهما ما يقيمه البيلك بمعنى بيت المال عندنا « 2 » ، والآخر ما يقيمه التجار وهو الغالب . وذلك عندهم ضرب من التجارة ، فيجتمع جماعة منهم ويتفقون على ذلك ، ثم يحزرون كم يصرف عليها من المال ، فإذا قيل مثلا مليون فيفرقون ذلك المليون على عشرة من الناس ، كل واحد يعطي ماية ألف ويكتبون بذلك أوراقا عشرة ، والمكتوب فيها اصطلاح لهم ، بحيث يعلم منه أن من بيده ورقة من تلك الورقات دفع في تعديل الطريق كذا فيأخذ من مستفادها على قدر ما دفع عشره مثلا . وإذا كتبوا الأوراق باعوها ، فكل من يأخذ ورقة يدفع ماية ألف حتى تنفذ الأوراق كلها ، ويجتمع المليون فيصرفونه عليها ويقيمون منه الخدمة وسائر الإقامات وما يحتاج إليه في ذلك . فإذا تمت وأخذ الناس يمرون فيها ويدفعون الخراج ، فكل ما يستفاد منها يقسم بين الدافعين للمال ، كل واحد على قدر ما دفع ، وذلك بعد أن يأذن لهم في ذلك السلطان أو من له النظر في ذلك . ويحد لهم حدا في قدر المقبوض من المارين ومدة دوام القبض ، فإذا انتقضت رجعت الطريق للبيلك هو يأخذ مستفادها أو يتركها للناس مجانا « 3 » . ومن أراد من أهل هذه الورقات أن يبيع ورقته باعها ، فإن نتج المستفاد والربح

--> ( 1 ) ويتعلق الأمر بطريق السكة الحديدية الرابط بين باريز وفرساي ، والذي كان مسرحا لوقوع حادثة سككية اكتست طابعا كارثيا سنة 1842 . انظر : . Schivelbusch , Railway Journey , p . 131 ( 2 ) بيت المال في المغرب ، هو المكان الذي كانت تخزن فيه ثروات السلاطين . وخلال الفترات السابقة لعهد الحماية كانت المدخرات المالية متمركزة في ثلاثة قصور سلطانية ، توجد في كل من فاس ومكناس ومراكش . انظر : العز ، ج 1 ، ص . 104 . ( 3 ) حول موضوع تمويل مشاريع السكك الحديدية في فرنسا ، انظر : F . Braudel et E . Labrousse . eds . , Histoire e ? conomique et sociale de la France , vol . 3 : L'ave ? nement de l'e ? re industrielle ( 1789 - 1880 ) , premie ? re partie ( Paris , 1976 ) , pp . 257 - 262 ; Pinkney , Decisive years , pp . 36 - 37 , 45 - 46 .