محمد بن عبد الله الصفار

156

رحلة الصفار إلى فرنسا

فأسسوها وسووها ، ثم مدوا في عرضها قطعا صلبة من الخشب غليظة بين الواحدة والأخرى ذراع أو ذراعان . ثم مدوا فوق هذه القطع على أطرافها من الجهتين سبائك من الحديد ذاهبة مع طول الطريق واحدة عن اليمين والأخرى عن الشمال ، وشدوها في قطع الخشب المذكورة بحلق من الحديد ومسامير تمسكها من أسفل كيلا تتزحزح تلك السبائك عن محل وهكذا من ابتداء الطريق إلى انتهائها . ثم فرشوا فيها رملا أو ترابا ولم يبق بارزا منها إلا السبيكتان ، ثم صنعوا بابورا صغيرا ) « 1 » ليس على شكل بابور البحر ، إنما فيه الحركات التي تدور النواعير لا غير ، ويركبه ثلاثة من الناس يسيرونه . ثم صنعوا أكداشا مماثلة أحسن وأرفع من الأكداش التي تجرها الخيل وأكبر منها ، وجعلوا لها نواعير تجري بها في الطريق . ونواعير الأكداش على قدر ناعورتي البابور ، وقاسوا ما بين الناعورتين على عرض الطريق بحيث ينزل حرف الناعورة على السبيكة البارزة ، وجعلوا في ظاهر حاشية الناعورة تجويفا بحيث يستحكم إنزاله على السبيكة البارزة ليلا تزيغ عنها يمينا أو شمالا ، وهكذا كل نواعير الأكداش السايرة . وربطوا هذه الأكداش بعضها ببعض بالغناجي « 2 » وسلاسل الحديد الغليظة ، حتى صارت صفا واحدا يقدمها البابور المذكور والناس راكبون في هذه الأكداش ، وفي كل كدش قطعتان أو أكثر منفصلتان . وفي كل قطعة منصبتان متقابلتان يجلس عليهما الناس ، وفي جانبيه عن يمين الطريق ويسارها طاقات حسان بإغلاق الزجاج الصافي ، إن شئت فتحتها وإن شئت أغلقتها مع بقاء الضوء التام والابصار العام . وإن كانت للراكبين أثقال في كراريصهم حملوا تلك الكراريص على سرير له نواعير مماثلة لنواعير الأكداش وربطوها فيها . فإذا أرادوا الشروع في المسير حرك الرءيس حركة البابور ، فيجعل يسير مع ما هو مربوط به سيرا لم يعهد مثله في الاسراع يكاد أن يسار الطير في الهواء ، بحيث قطعنا هذه المسافة في ساعتين ونصف . وكنا ننظر إلى جوانب الطريق فلا نرى ما فيها من

--> ( 1 ) ويقصد به الصفار القاطرة التي تقابلها في الفرنسية ( locomotive ) وتجر العربات بقوة محركاتها ( المعرب ) . ( 2 ) مفردها غنج ، وهي من الإسبانية كانشو ( gancho ) ، ويقابلها بالفرنسية كروشي ( crochet ) ، وهو المحجن أو الكلاب الذي يكون على هيئة المخطاف ، وقد تكون أيضا عبارة عن عصي طويلة قصيرة ، وبها حديدة معقنة في رأسها أو مخطاف ( المعرب ) .