محمد بن عبد الله الصفار
124
رحلة الصفار إلى فرنسا
ترفعنا الأمواج طورا وتخفضنا أخرى مع سكون الرياح واعتدال الهواء . وبقرب المسافة تزاد البشرى ، وقد كنا على وجل من هوله المبين ، إذ كان ركوبنا فيه في شهر دجنبير « 1 » . فسلمنا الله من كيده وإن أصاب بعضنا نصيب من ميده . وفي اليوم الخامس ، بدا منه بعض اضطراب يسير ، وقد أشرفنا على غلف ليون « 2 » الذي مجازه في غالب الأوقات صعب عسير . وكان للمركب بشيء من الفحم حاجة ومسيس ، فاقتضى ذاك دخولنا لمرسى بور بندر التي هي أول مراسي الفرنسيس . فأرسينا فيها ظهر يوم الأربعاء « 3 » ، فسكن الفؤاد وزال الدهش ، ورجع لكل واحد منا نشاطه وزال ميده وانتعش . وهي مرسى صغيرة ، لاكنها لإتقانها وإحكام صنعتها وحسن مداخلها وبناء شواطئها تلحق أو تفوق الكبيرة . ليس فيها رياح ولا تمويج ، فيصير المركب في داخلها كأنه في وسط صهريج ، يبقى سائرا حتى يلتصق بالشاطئ ، ويربط حباله في أخراص « 4 » غليظة من الحديد ، مسمرة في الحجارة العظيمة التي بني بها الشاطئ المذكور . وعلى باب هذه المرسى أبراج للمدافع وفنارات عظيمة عالية على جبال هنالك تضيء بالليل ليهتدى بها إلى المرسى . وعلى هذه المرسى قرية صغيرة تسمى بالاسم المتقدم ، وإليها تنسب المرسى . فيها ديار وحوانيت على الشاطئ ، يباع فيها
--> ( 1 ) يتميز التقويم القمري المعمول به عند المسلمين بعدم الاستقرار ، مما جعله غير صالح لضبط مواقيت الأعمال الفلاحية . وفي المغرب كانت الشهور معروفة بأسمائها اللاتينية منذ وقت باكر ، أي منذ السنوات السابقة للفترة ما قبل الاستعمارية . وكان المغاربة يستعملون الشهور الرومانية في كلامهم اليومي الدارج ، ويسمونها بالأشهر الفلاحية . بينما خصصوا التقويم الإسلامي لضبط تواريخ المراسلات المخزنية والأعياد الدينية ، انظر : A . Joly , " Un calendrier agricol marocain " AM 3 , 2 ( 1905 ) : 301 - 319 ; Dozy 1 : 425 . ( 2 ) ويعنى بذلك خليج الأسود ( Golfe de lions ) ، ولا علاقة له بمدينة ليون المعروفة الواقعة كما هو معلوم في وسط فرنسا ( المعرب ) . ( 3 ) « كان النقص الحاصل في الماء والفحم ، بالإضافة إلى الرياح الشديدة ، من الأسباب التي جعلت قائد ألمركب يقرر الدخول إلى المرسى المذكورة » ، روش إلى كيزو ، بور فاندر ، 17 دجنبر 1845 . ( 4 ) أخراص وخراص في اللغة هي جريدة النخل . أما المقصود بأخراص عند الصفار هنا فهي مأخوذة من مفردها خرص أو خرصة ، وهي الحلقة التي توضع في الأذن . ويعني بها الحلقات الحديدية الدائرية الشكل التي تشد بها حبال المراكب الراسية . 362 : 1 Dozy ( المعرب ) .