محمد بن عبد الله الصفار
116
رحلة الصفار إلى فرنسا
السفين ، وصرنا في جوفه كما يصار في لحده الدفين . فأنزلنا رءيسه فيه أحسن منزل ، وجعلنا من محال إقراره ودويه بمعزل . وتلقانا أهله بالبشر والسرور وحسن البشاشة وجميل البرور ، فأدخلونا قمرة « 1 » فيها زرابي جيدة نقية وفرش رفيعة وطية . وقال لنا لسان حالهم ومقالهم ، كونوا في عيشة هنية وإكرامات سنية ، فنحن معكم على سيرة مرضية . وعندما تتام طلوعنا ورجع من كان يشيعنا ، قلع المركب مخاطفه وهز للمسير أعطافه . فقلنا بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ( بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) « 2 » . ثم أطلق مدافع الفرح والبحر لنا بسكونه قد سمح ، فسرنا متوكلين على الحي القيوم ، موقنين بأن لا دافع ولا منجي إلا الله سبحانه : ( وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) « 3 » . وقال ابن العربي « 4 » : « من أراد أن يوقن أن الله هو الفاعل وحده وأن الأسباب ضعيفة ، فليركب البحر » . وهو كما قال ويقال : « من ركب البحر فقد خاطر بنفسه ، وأشد منه خطرا من صحب السلطان بغير علم » . هو لا شك أن راكب البحر دود على عود ، خلق ضعيف في خلق قوي ، تتلاعب فيه الأمواج فلا أحد من دون الله ينفعه بعلاج « 5 » . وكانت وجهتنا لمدينة مرسيليا التي هي على ساحل هذا البحر من جهته الشمالية .
--> ( 1 ) « القمرة » ، أصلها من الإسبانية ( c mara ) ، والمقصود بها هنا الغرفة المخصصة لإقامة المسافرين على متن المراكب ، . 411 : 2 Dozy ( 2 ) سورة هود ، الآية 41 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية 67 . ( 4 ) هو محمد ابن العربي من مشاهير رجال التصوف ، أندلسي الأصل ، كانت وفاته في دمشق عام 638 ه / 1240 م . انظر مادة « ابن العربي » في SEI s . v . " Ibn ( al ) Arabi " . ( 5 ) غالبا ما تحدث اليونان والرومان عن البحر بنوع من الإعجاب والتمجيد المثاليين ، غير أن العرب - على العكس من ذلك - غالبا ما تحدثوا عن البحر في كتاباتهم بطريقة لا تخلو من النفور . وقد جاء ضمن إحدى مراسلات عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب في موضوع البحر ما يلي : « إن البحر لخلق عظيم يشبه المطية التي يركب عليها الضعفاء كما تزحف الديدان على فروع الشجر » ، انظر : At - Tabari , Annales , ed . M . J . de Goeje et al . ( Leiden , 1879 - 1901 ) , I : 2821 , anno 28 . ( 648 - 49 ) .