محمد بن عبد الله الصفار
107
رحلة الصفار إلى فرنسا
حينما نحاول جاهدين التوصل إلى الأشكال الثقافية المختلفة عما هو سائد عندنا . وبما أننا نتحول إلى طرف مرافق للرحالة طوال رحلته ، فإننا لا نكون منشغلين فقط بما شاهده الرحالة في أوروبا ، بل نكون أيضا مهتمين بالكيفية التي شاهد بها تلك الأشياء ، وبالطريقة التي انعكست بها على مشاعره وذكرته بما هو سائد في بلده . إن فرنسا وباريز هما المرآتان اللتان نقرأ فيهما تصورات الصفار لمواقع أكثر بعدا ، بما في ذلك الحقول الخضراء والأزقة المزدحمة والسهرات والحفلات الراقصة ، التي شكلت جميعها لوحة رسمت عليها صورة أخرى عن مكان لا نعرف عنه نحن القراء الأجانب إلا القليل ، فكان ذلك المكان هو المغرب كما هو وارد في تصورات محمد الصفار . وأخيرا ، وعلى مستوى آخر ، فإن هذه الأشياء المحكية تتجاوز مجرد القيام بالرحلة لتدخل في مجال آخر يجعلها ذات ترنيمات أخلاقية ، تزداد قوتها بفضل تلك الميزة الكونية التي يتضمنها إحلال الشيء محل الشيء الآخر . وهنا تصبح الرحلة مجازا ، ويتحول الرحالة إلى صانع أسطورة ، وتصبح القصة خرافة . إن نموذج بنيتها - المتمثل في مرحلة الانطلاق وفصول المغامرة ثم العودة - ليس هو الأمر الوحيد الذي يجعل الروايات المتعلقة بالرحلة تكتسي صبغة كونية ، بل هناك أيضا الدلالات والمعاني التي يستخلصها الرحالة نفسه من الرحلة . وفي حالة محمد الصفار ، فإن المغزى من روايته واضح جدا : فهو يقول لنا إنه بإمكان المرء الذهاب إلى أرض الافتتان ، وإلى المكان الذي يجمع في نفسه بين الخبيث والطيب ، ثم ينغمس فيه ويعود إلى بلده حكيما سالما من الأذى . هذا هو الدرس الذي تقدمه الرحلة . لكن لا يمكننا الجزم فيما إذا كانت مضامينها قد أقنعت أولئك الذين قرأوها خلال عصره أم لم تقنعهم . ومما لا شك فيه أن الرحلة قد تدوولت ونوقشت في الأوساط الخاصة لحاشية السلطان ، ثم أودعت بالخزانة السلطانية حيث أهملت مدة تجاوزت قرنا من الزمن . ولم يكن الصفار يعتقد أبدا ولا تصور أحد أن مخطوطته ستظل راقدة زمنا طويلا لتشع بنورها على قراء ينتمون إلى عصر آخر فتمتعهم .