عبد العزيز دولتشين

380

الرحلة السرية للعقيد الروسي

ينبغي بالطبع تقديم الهدايا فيما بعد . وفي هذا يتلخص بالضبط كل مغزى مجاملة ارسال الأطعمة إلى المسافر القادم . ولا اثر البتة للضيافة في كل هذا ، بل مجرد أمل في الحصول مقابل الطعام على ما يوازي سعر المآكل مثلين أو ثلاثة أمثال على الأقل . وصاحب البيت الذي نزلت فيه ، سلطانوف ، بوصفه رجلا محنكا وتاجرا ، كان يقيّم كل طعام بعناية ودقة ، مطبقا أسعار السوق المحلية ، وكان يحدد ثمن الغداء بمبلغ يتراوح بين مجيديتين وثلاث مجيديات . وبما أن العملة التركية ، المجيدية ، توازي بالعملة الروسية روبلا و 60 كوبيكا ، تعيّن علىّ أن أدفع مبالغ لا يستهان بها مع إضافة الفائدة ، لقاء مجاملة الأدلة وبشاشتهم وضيافتهم ، خصوصا وأنهم كانوا يرسلون إلىّ زهاء عشرة غداءات ، ومنها كنت احتاج مع عائلتي إلى غداء واحد فقط ، ولذا صرفت النافل كله على تضييف مواطني وغيرهم من الضيوف القادمين لزيارتي . وفي عداد الضيوف كان كبير الأدلة في مدينة مكة ، واسمه محمد علي . وفجأة أخذ يتكلم معي بالروسية لما فيه دهشتي . وقد تبين انه اعتقل حين تجوب في ربوع أقليم تركستان بدون جواز سفر وأمضى أكثر من سنتين في سجن مدينة طشقند بانتظار نتيجة المراسلات بشأنه ؛ وفي السجن تعلم اللغة الروسية . فيا للقاءات الغربية التي تحدث أحيانا ! . . كانت شقتي تقع في القسم الجنوبي الشرقي من المدينة ، وكانت واجهتها تطل على ساحة كبيرة نسبيّا . وبالمقابل ، في الجانب الآخر من الساحة ، كانت شقة والي مكة حسن حلمي باشا . ومن الجانب الأيسر كانت تقع ثكنات الجنود الأتراك ، ومن الجانب اليمن ، بعد بضعة بيوت ، كانت تقع صيدلية حكومية بقربها روضة صغيرة كان الضابط الأتراك والأفراد المدنيون يتنزهون عادة في الأمسيات . كانت شقة الوالي تلاصق الجبل من جانبها الخلفي ، وكان الجبل يعلو ، على الأقل ، زهاء 50 ساجنا فوق سطح هذا المبنى الثلاثي الطوابق . وعلى الجبل كانت تنتصب