عبد العزيز دولتشين
378
الرحلة السرية للعقيد الروسي
ثلاثة ارشينات فقط ، وعمقه زهاء نصف ارشين . مياهه تروي المحطة ، وحقل البرسيم ، ومزارع من القرع حقيرة المنظر ، ومزرعة قطن . وهو من الأنهر القليلة في الحجاز . ولكم طاب لي أن أرى في هذا البلد القائظ والصحراوي ، الخارق الجفاف ، نهرا ، وأن صغيرا ، نهرا حقيرا بالنسبة لي أنا الذي ترعرعت بين السيول الزرقاء والوبداء لنهر تشيرتشيك الذي يحتوي الذهب ، مع ضجته وهديره المستطاب على الاذن ، وجريانه وسط واد جميل ذي نباتات ساطعة وخضراء . . . وحين وقفت على ضفة النهير الحجازي ، تذكرت عفو الخاطر مدينتي طشقند الغارقة في أخضر بساتينها الزمردي ، وقدّرت كل أهمية وفرة مياهها التي يقدمها تشيرتشيك الذي لا ينضب معينه . . . ولكن خيل إلينا أننا فقدنا طشقند إلى الأبد . . . [ . . . ] وصلت قافلتنا إلى مكة في الثاني من أيار ( مايو ) عند طلوع الفجر . وعند دخول المدينة توقفت في ساحة كبيرة ؛ أما نحن ، فإننا لم نتوقف بل رحنا إلى شقتنا ؛ وقد قادونا إليها عبر المدينة كلها تقريبا . كان الجو لا يزال معتما ، وفي عتمة الفجر لم أستطع أن أرى شيئا بنحو جيد نوعا ما . كانوا يسوقون الجمال في شوارع ضيقة ومتعرجة . كانت تصعد تارة إلى جبل وطورا تنزل . على جانبي الطريق كانت تنتصب جدران وبيوت . في بعض الأماكن اصطدمنا بأناس نائمين في الشارع مباشرة . ولدن اقتراب جمالنا كان الناس شبه النيام يقفزون بذعر وينهضون على اقدامهم ويطلقون اللغط والضجيج والصياح ، ولكن الحراس السائرين ، شاهري البنادق على جانبي جمالنا كانوا سرعان ما يقطعون بنحو ما حبل الضجيج والصياح ، وكنا نواصل السير بهدوء حتى الكومة التالية من المشردين الذين اختاروا الشارع منامة لهم [ . . . ] وأخيرا توقفت الجمال قرب بيت من طابقين كان يعيش فيه أحد معارفنا التر ، المدعو عبد الرحمن سلطانوف الذي انتقل من طشقند إلى السكن في مكة . استقبلني قرب بوابة البيت . وكان معه الدليل محمد علي الذي استقبلنا في حدّة وسبقنا .