عبد العزيز دولتشين

361

الرحلة السرية للعقيد الروسي

وعلى بعد بضعة فرستات من المزدلفة تقع بلدة منى الصغيرة جدّا في واد بالاسم نفسه . هذا الوادي يحفل بالذكريات ؛ والمؤرخون المسلمون يذكرونه غير مرة . هنا ، كما يقال ، كان قبر آدم ، وهنا قدم قايين وهابيل الأضاحي ، وهنا ولدت هاجر أبنها إسماعيل في أحد الكهوف ، وهنا أراد إبراهيم أن يضحي بابنه ، ولكن الشيطان المتجسد بصورة شيخ مسن حال دون ذلك ، ولذا أخد البطريرك إبراهيم يرجمه بالحجارة . وهنا أخيرا أغرى الشيطان نفسه إسماعيل على الانتحار ، وقطع الطريق ثلاث مرات أمام إبراهيم وإسماعيل حين عادا من عرفات إلى مكة بعد أداء فريضة الحج ، الأمر الذي كان لا بد من أن يجازي عليه ؛ فإن النبيين - الأب والأبن - أخذا يرجمانه بالحجارة . ثم ، كما تقول الأسطورة ، راح إسماعيل طوعا واختيارا إلى المكان الذي كان يجب أن يضحي به فيه ولكن الشيطان إغراه ثلاث مرات محاولا أن يصرفه عن إطاعة والده وعن عزمه على التضحية بنفسه . ومكان كل من لقاءات إسماعيل الثلاثة هذه مع الشيطان معلّم بعمود حجري يرميه الحجاج ( في غضون الأيام الثلاثة من الإقامة في منى ) بالأحجار المجلوبة من المزدلفة تذكيرا بأن إسماعيل رد على إغراء الشيطان برميه بالأحجار « * » . في وادي منى توقفت قافلة الحجاج بأسرها لمدة ثلاثة أيام ، ما عدا الشيعيين الذين بقوا في عرفات ، وكانت تلك أكبر وقفة . هبت « السموم » ارتفعت الحرارة من 27 درجة بمقياس ريومور إلى 35 درجة في الظل بسرعة بالغة . الوادي - والأصح القول - الفج ضيق جدّا ، ولذا تلامست خيام الحجاج المنصوبة وتماست تقريبا إحداها بالأخرى . والصخور العارية

--> ( * ) يضرب الحجاج الشيطان كما يلي . يضع الحاج حجرا صغيرا على ظفر ابهام اليد اليسرى وينقفه بأصابع اليد اليمنى .