عبد العزيز دولتشين
256
الرحلة السرية للعقيد الروسي
وعلى جميع البواخر التي تقوم بنقل الحجاج ، يوجد أطباء تحت تصرفهم صيدليات صغيرة . الأشخاص المسافرون في حجرة من الدرجة الأولى أو من الدرجة الثانية يتواجدون بمثابة استثناء نادر جدّا ؛ والحجاج العاديون يشغلون في المعتاد أماكن على المتون أو في العنابر دافعين لقاء السفر إلى ينبع أو إلى جدّة ليرتين تركيتين ( حوالي 17 روبلا ) بالفرد الواحد ، ولكن البواخر التركية تنقل كذلك مجانا جمهور الحجاج الفقراء ذهابا وإيابا . تأخذ بواخر الشركات الثلاث الأخيرة عددا من الركاب كبيرا إلى حد أن تكتظ الباخرة كلها بهم حقا وفعلا ، غير تاركين أية ممرات على الإطلاق . وقد تأتي لي أن أسافر من السويس إلى جدّة على سفينة صغيرة لشركة ماغري ريني وشركاه ؛ كان عدد الركاب 850 شخصا فاحتشدوا فيها بضيق لا يوصف . وبسبب قلة الأماكن ، شغلوا كل متن الدرجة الأولى ونصف مركز الربان ، وحتى ملأوا زوارق الانقاذ . وكان اكشاك مركبة كيفما اتفق من ألواح خشبية ومعلقة خارج المتن بمثابة مراحيض ؛ ولأجل الوصول إليها كان ينبغي التسلق فوق سياج عال ، الأمر الذي كان بالنسبة للكثيرين عملية صعبة ؛ وعشية الوصول إلى جدّة ، هبت في المساء عاصفة قوية ودامت الليل كله ؛ ومن الصعب أن يتصور المرء ما حدث آنذاك على هذه الباخرة المكتظة بالناس . ومن الأحاديث مع الطبيب علمت أنه تحدث بين الصغار أثناء الانتقال محتلف الأمراض الوبائية وأن ولدين ماتا في الرحلة السابقة من الدفتيريا ( الخناق ) . ولا يجري التطهير الوقائي في الباخرة . في طريق العودة سافرت من ينبع على باخرة أفضل تابعة للشركة الخديوية سابقا ، ولكن الضيق هنا أيضا لم يكن أقل رعبا ، بل كان أشد وأقسى من جراء القيظ الرهيب . وفي العنبر وفي الحجرات لم يكن ثمة