شكيب أرسلان

97

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

إلى رمّها . لا يهمهم حفظ الماضي على حاله ، فضلا عن أن يبدأوا مآثر ، ويفترعوا مفاخر ، بل دأبهم في ولاية أمور المسلمين كما جاء في المثل العامي « يأكلون الخضراء ، ويقطعون اليابسة » ، وكأنما أورثهم اللّه خراج المسلمين لينفقوه في السّرف والسّفه ، ولذات الكروش والفروج ، كأنما هو تراث آبائهم وأجدادهم ، بل لو كان تراث آبائهم وأجدادهم ما ساغ لهم ذلك فيه ، ولمنعهم القضاة العادلون عن هذا السّفه ، ولكن أين القضاة العادلون وأين العلماء العاملون ، الذين يقولون الحق في وجه الملوك ، ويخاطرون بأنفسهم ومصالحهم لأجل نصح الأمة ! ؟ فو اللّه ما أفسد أمر الإسلام إلا أمراؤه - إلا من رحم ربك - وما أفسد هؤلاء الأمراء إلا العلماء الذين أخذت عليهم المواثيق بأن لا يقارّوا على معصية ، ولا يواطئوا على معرّة « 1 » ، فكانوا يقارّون على المعاصي ، ويتزلّفون إلى الأمراء بالأباطيل ، ويفتون لهم بتأويل النصوص الشرعية بغير معناها الحقيقي ، ويسهّلون لهم الموبقات بأجمعها ، والمرديات بحذافيرها ، طمعا في الدنيا الفانية ، والمطاعم الوبيئة الذاهبة . وهكذا تحوّل أمر هذه الأمة من العظمة إلى الصغار ، ومن التمكن في الأرض إلى البوار ، ومن المآثر والمباني إلى الدمار ، ومن أحاديث المعالي إلى أقاصيص العار والشنار « 2 » . * * *

--> ( 1 ) [ الأذى والسماءة والمكروه ] . ( 2 ) [ الأمر المشهور بالشّنعة والقبح ] .