شكيب أرسلان

95

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

ثم يعود إلى سيرته أيضا فيقول : ولهذا الرجل رحمه اللّه من الآثار السنية ، والمفاخر العلية - التي لم يسبقه إليها أكابر الأجواد ، وسراة الأمجاد ، فيما سلف من الزمان - ما يفوت الإحصاء ، ويستغرق الثناء ، ويستصحب طول الأيام على الألسنة الدعاء ، وحسبك أنّه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة الشرق ، من العراق ، إلى الشام ، إلى الحجاز ، حسبما نذكره ، واستنبط المياه وبنى الجباب ، واختطّ المنازل في المفازات ، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وكافّة المسافرين . وابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق عينّها لنزول الفقراء أبناء السبيل ، الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية « 1 » ، وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم ، وعيّن لهم ذلك في وجوه تأبّدت لهم ، فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها إلى الآن ، فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرّفاق ، وملئت ثناء عليه الآفاق . وكان مدة حياته بالموصل - على ما أخبرنا به غير واحد من ثقات الحجّاج التجار ، ممن شاهد ذلك - قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء ، فسيحة الأرجاء ، يدعو إليها كلّ يوم الجفلى « 2 » من الغرباء ، فيعمهم شبعا وريا ، ويرد الصادر والوارد من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيا ، لم يزل على ذلك مدة حياته رحمه اللّه ، فبقيت آثاره مخلّدة ، وأخباره بألسنة الذكر مجدّدة ، وقضى حميدا سعيدا ، والذكر الجميل للسعداء حياة باقية ، ومدّة من العمر ثانية . ا ه . العبرة بتعمير السلف وتخريب الخلف قلت : ولو لم تكن آثار هذا الرجل مخلدة ، وأخباره بألسنة الذكر

--> ( 1 ) [ الأجرة ] . ( 2 ) [ دعوة جفلى : وليمة عامة ] .