شكيب أرسلان

57

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

أحدهما : الشتاء ، وهو في غاية اللطف ، وكأنّه فصل الصيف في أعالي لبنان . والثاني : فصل القيظ ، المصادف ما يسمونه بأشهر السرطان والأسد والسنبلة ، وهو فصل قد تصعد فيه الحرارة في الظلّ بميزان سنتيغراد إلى الدرجة ( 45 ) وإلى ( 49 ) وفي الليل يتعذّر النوم حتى على سطوح المنازل ، فإنّ الذي يبقى لا صقا بتلك الصخور من لعاب الشّمس ، يكفي لتسخين صفحة الليل إلى أن ينبلج الصبح ، وإنّ اليوم الذي تكون فيه الحرارة ( 38 ) أو ( 39 ) يعدّه المكيون معتدلا ، ويقولون : اليوم براد ، فإذا نزلت الدرجة إلى ( 35 ) قالوا : براد بالحيل بفتح فسكون ، أي برودة زائدة ، وقد تأتي في هذه الأشهر الثلاثة أيام وليال مقبولة ، إلا أنّ هذا من النادر الذي لا يعتدّ به . فالحج الشريف يصادف على مدة ستة أشهر فصل القيظ ، الذي فيه حر شديد ، وحر أشد ، هو حر السرطان والأسد والسنبلة ، وهذا لا يطيقه إلا أهالي خط الاستواء والتكارنة ، ومن هم في ضربهم . فأما حجاج مصر ، والشام ، والمغرب ، والأناضول ، والبلقان ، وتركستان ، وشمالي فارس ، وأفغانستان ، وشماليّ الهند ، فإنهم يتطوّقون من هذا الحر عذابا واصبا . وقد شاهدت علماء من العراق ، فسألتهم عن نسبة حر العراق إلى حر تهائم الحجاز ، فقالوا : إنّ حرّ الحجاز أشدّ . وأكثر من يموت من الحجاج في المواسم المصادفة لفصل القيظ إنما هم من حجاج الشمال ، وذلك بضربة الشمس ، وأكثر ما تصيبهم هذه الضربة في عرفات ، حيث يجب أن يكونوا مكشوفي الرؤوس . فليتأمل المتأمل في قضية الحسر عن الرأس في عين الشمس ، عندما تكون درجة الحرارة في ظل الخيمة ( 48 ) بميزان سنتيغراد ، ومع أنّه يجوز للحاجّ اتقاء للضرر أن يستظلّ بمظلة عالية فوق رأسه ، فتجد