شكيب أرسلان

425

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

فعليه « بسبائك الذهب في معرفة قبائل العرب » للسيد محمد أمين السويدي البغدادي ، فهو كتاب قد جمع فأوعى في هذا الباب « 1 » . على أنّ إفراط العرب في التمسك بأنسابهم قد أوجد بينهم من العصبية بعضهم على بعض ما لا يوجد في أمّة سواهم ، حتى إنّ دوزي الهولندي المعدود من أوسع المستشرقين علما ذكر في كتابه عن « مسلمي إسبانية » أنّ العدواة التي بين العدنانية والقحطانية قد تكون أشد من العداوة التي بين العرب والأعاجم . والحقيقة أنّ هذه العداوة نفسها هي التي كانت الأصل الأصيل في فقدهم الأندلس ، بل في نكوصهم عن قلب أوربة بعد أن وطئوه بأقدامهم ، وكادوا يستولون على تلك القارة . وقد كانوا كلّما تمّ لهم الظّفر في واقعة على الأجانب عادوا فاقتتلوا فيما بينهم بين قحطاني ومضري ، ففشلوا ، وذهبت ريحهم ، واضطروا أن يعودوا من حيث أتوا . ولم ينحصر ضرر هذه العصبية في الأندلس والمغرب ، بل قد أفنت القبائل العربية بعضها بعضا في المشرق أيضا ، وصرفتهم عن التبسط في الفتوحات فما كانوا قد حازوه بشجاعتهم وعلو هممهم فقدوه في منازعاتهم الداخلية بوقوع بأسهم بينهم ، لا سيما بين هذين القبيلتين ؛ قيس واليمن . وكثيرا ما كانت تقتتل ربيعة ومضر ، وكلا الفريقين من العدنانية ، ونظرا لكون مضر أكثر عددا كانت ربيعة تلجأ إلى اليمن حتى تقف في وجه مضر . وكلّ عربي تنزع فيه العصبية إلى قومه ، فلا يسلم من ذلك أحد ، حتى الملوك والخلفاء ، كانوا يتعصّبون للقبائل التي هم منها ، وهم مع ذلك سادة الجميع .

--> ( 1 ) [ الأم في هذه البابة « جمهرة النسب » و « نسب معد واليمن الكبير » لابن الكلبي وقد قام بتحقيقها الأستاذ محمود الفردوس العظم ] .