شكيب أرسلان

399

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

والثاني : من عهد أبي كرب إلى ذي نواس . والثالث : من عهد ذي نواس إلى الإسلام . ولكن علماء الإفرنج قسّموا هذه الأدوار إلى ثلاثة بشكل آخر . فقالوا : الدور الأول : هو السبئي المعيني . والدور الثاني : هو الحميري . والدور الثالث : هو الحبشي فالفارسي . ولعلّ الوقت يأتي بمعلومات أوضح مما تيسّر حتى الآن « 1 » فإنّ تاريخ الأعصر الغابرة كان ظلمات بعضها فوق بعض ، فانكشف جزء منها بالحفر والتنقيب ، وحلّ الكتابات القديمة ، ولا يزال تحت التراب - وربما فوق التراب - كتابات كثيرة لم يصل المنقّبون إليها . ولما كنت في الحجاز منذ ست سنوات ، وصعدت إلى جبال الطائف ، وجدت كتابات كثيرة على الصخور ، وقيل لي : إنها مستفيضة في كلّ مكان تقريبا من جزيرة العرب ، وقيل لي أيضا : إنّ بين المدينة ونجد كتابات لا تحصى . وكيف ضرب الإنسان في أرض جزيرة العرب يجد كتابات على الصخور ، فإنّ من عادتهم أن ينقشوا أخبار الحوادث التي تقع عندهم على الجنادل ، وقد شاهدنا من هذه الأخبار المحفورة على الصخر بالخط الكوفيّ شيئا كثيرا ، وأوردت أمثلة عليه في « رحلتي الحجازية » « 2 » . ومرة قرأت في طريق وادي ليّة على صخر خبر قحط أصاب الناس وأجدبوا ، ثم بعث اللّه الغيث وسقوا .

--> ( 1 ) [ كتب هذا البحث سنة ( 1935 ) ] . ( 2 ) [ انظر ص ( 277 ) من هذا الكتاب ] .