شكيب أرسلان

392

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

والذي عليه جمهور المؤرخين والمنقبين اليوم وفي مقدمتهم سبرنكر ، وشرودر ؛ هو أنّ جزيرة العرب هي مهد الأمم السامية ، وأنّ المهاجرة بدأت منها إلى الخارج . وقد خالف في ذلك بعضهم ، وذهبوا إلى أنه يجوز أن يكون وقوع المهاجرة بالعكس ، أي بدلا من أن يكون العرب ارتحلوا من الجزيرة إلى بابل ؛ يجوز أن يكون بعض الأقوام الذين على شواطئ الفرات قد ارتحلوا منها إلى الجزيرة العربية ، فأما كون البربر من العرب وأنهم جاؤوا من جزيرة العرب ، وأن اللغة البربرية هي من اللغات السامية ؛ فهذا سيكون البحث فيه بمكان آخر . فبعض العلماء ومنهم نولدكه المستشرق الألماني المعروف يقول بهذا الرأي وبعضهم يردّه . وقد ذهب هومل ( Hommel ) إلى أنّ السبئيين كانوا في الجوف في شمالي بلاد العرب - التابعة لابن سعود اليوم - وأنهم تقدموا منها إلى الجنوب . وقد جاء ذكر سبأ في « التوراة » مرارا ، ولكن بأقوال يناقض بعضها بعضا ، وإنما يمكن الاتفاق على أنّ السبئيّين كانوا تجارا في تلك الأعصر ، يبيعون عود الطيب في مصر والشام ، ويتّجرون بالحجارة الكريمة ، و « التوراة » تشير إلى ثروة السبئيّين ، ويؤيّد ذلك مؤرخو اليونان والرومان . وقد ذكر سترابون المؤرخ الجغرافي اليوناني ، أنّ الرومانيين في زمن أغسطس غزوا سبأ ، وذلك سنة ( 24 ) أملا بالاستيلاء على أموال هذه الأمة - ففشلت هذه الغزوة فشلا تاما ، ولكنّها عرّفت الرومانيين ببلاد العرب ، فقد جاء في كتب مؤرّخي الرومان واليونان مثل ديودور وهيرودوت وغيرهما كلام كثير عن حضرموت واليمن ، ووجد مطابقا للكتابات التي عثروا عليها في جنوبيّ الجزيرة العربية . ومن ذلك كلّه يظهر أنّ أهالي اليمن كانوا أشداء في الحروب ، أصحاب إقدام ونشاط