شكيب أرسلان
380
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
إنه لا يزال حيا يرزق ، وأنه مقيم بجدة ، ولم يكن قتل هذا الضابط لمدحت خنقا كما كنا نسمع ، بل قبض على أنثييه ، واستلهما بقوة عصبه ، فبرد مدحت في مكانه ، ثم عادوا إلى الداماد ، فحاول أن يجاحش عن خيط رقبته ، ولكنّهم صرعوه ، وأزهقوا روحه ، ولم يستسلم [ مدحت ومحمود ] للموت بدون صراخ ، بل استغاثا بالجيران الذين بيوتهم مجاورة للقلعة ، فصاح النساء بالذين في القلعة ، ووبخنهم ، ودعون عليهم ، واشتدت الولولة ، إلا أنّ ذلك لم يمنع قيام القتلة بإنفاذ الأمر . وأما خير اللّه أفندي شيخ الإسلام فلم يمسوه ، وبقي في القلعة إلى أن مات ، وتزوّج وهو بالقلعة ، وأولد أولادا ، وعاش طويلا ودفن مدحت ومحمود الداماد بتربة الحبر ابن عباس ، ولكنّ رئيس البلدية قال لي : إنّهم لا يعلمون في أية زاوية من الجبانة كانت مراقدهما ، وقد جاء بعض الأتراك بعد إعلان الدستور العثماني ، وبحثوا عنهما وبنوا لهما قبرين حيث رجّح النّاس أنّه وقع دفنهما . وأما قطع رأس مدحت وإرساله إلى السلطان عبد الحميد في الآستانة كما هو شائع فلا يعلم هؤلاء الرواة شيئا عنه . ذكرنا هذه الواقعة لأنّها تاريخية مهمة . وكان الفراغ من تبييض هذا الكتاب بمدينة لوزان من بلاد سويسرة لأربع خلون من ذي الحجة سنة ( 1349 ) موافق ( 22 ) إبريل - نيسان سنة ( 1931 ) . والحمد للّه أولا وآخرا وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا وقد تمّ طبعه في شهر المحرم سنة ( 1350 ) وللّه الحمد . وقد تم تجديد طبعه في شهر ربيع الأول سنة ( 1424 ) وللّه الحمد