شكيب أرسلان
314
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
وأعظم معدن في جزيرة العرب معدن جبل فاران « 1 » الذي كان لبني سليم « 2 » ، وكان فيه ذهب وحديد . ولا نعلم أنّه تأسست نظارة خاصة بمعادن الحجاز في الدولة الإسلامية إلا سنة ( 128 ) للهجرة ، وبعد هذا التاريخ بمئتي سنة خربت هذه المعادن ، أو انقطع الاستخراج منها بحسب رواية الأصطخري ، ولم يذكر ياقوت عن استغلالها شيئا . وليس عندنا عن أسباب ترك العمل في هذه المعادن إلا افتراضات ، فيجوز أن تكون نفدت مادتها ، ويجوز أن يكون إهمالها جاء من قبل الفتح الإسلامي ، الذي نشر العرب في الأقطار ، فقد كانت مكة قبل الإسلام مركزا عظيما للأخذ والعطاء ، ولم يكن ذلك بسبب حركة أهلها وحدهم ، بل بسبب كونها محط رحال القبائل المجاورة ، فقد كانت القافلة الواحدة نحو ألف جمل تتقدمها السواري « 3 » وتخفرها ، وتأخذ ( 50 ) بالمئة من الأرباح ، وهكذا كان البدو متعلّقين بأهل مكة تابعين لهم ، فلما فتح الإسلام البلدان ، وتفرّق العرب ، لم تبق مكة كما كانت من قبل مركزا كبيرا للأخذ والعطاء ، لكنّها بقيت فيها ثروة غير زهيدة . وفي القرن الأول من الهجرة كان في الحرمين يسار عظيم ، يستدلّ على ذلك من أنّه لما قتل الخليفة عثمان وجد وراءه من الذهب
--> ( 1 ) فاران من أسماء مكة المكرمة ، وقيل : هو اسم لجبال مكة ، وفي « التوراة » : جاء اللّه من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من فاران . تفسيره : إنّ اللّه كلّم موسى عليه السلام من سيناء ، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ساعير ، أي جبال فلسطين ، وأنزل القرآن على محمد عليه السلام في فاران أي جبل مكة . ( 2 ) جاء في « المعجم » : معدن بني سليم هو معدن فاران ، وهو من أعمال المدينة على طريق نجد . ا ه . من الأصل . ( 3 ) [ الخيالة ] .