شكيب أرسلان
303
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
أو تغضبون فقد بدّلت أيكتكم * ذرق الدّجاج وتجفاف اليعاقيب قد كنت أخبرتكم أن سوف يملكها * بنو أمية وعدا غير مكذوب قلت : ( اليعاقيب ) جمع يعقوب ، وهو الذكر من الحجل والقطا . و ( تجفجف ) اليعقوب انتفش وتحرّك ، وألقى جناحيه على البيضة . يريد أن يقول لسلول وخثعم : ما زلتم تتنازعون ، حتى اضطرتموني أن ألجأ إلى الخليفة الأموي ، وأدعوه أن يملك المحل ، ويحرمه الفريقين ، فبدلتم بالجنان والمغارس ذرق الدجاج وتجفجف القطا . ولم أشاهد ينبع النخل ، ولا رابغ ، ولا بيشة ، وإنما شافهت كثيرا ممن شاهدوها ، وكان أكثر من ذكر لي خصب بيشة وخيراتها الكاتب النمساوي ليوبولد فايس ، الذي أسلم ، وتسمّى محمد أسد اللّه فقد حدثني عنها أنّ فيها من قابلية الزراعة ما تكفي به ميرة مكة وجوارها طول السنة لو كان العمل قائما فيها كما يجب . وأما النخيل فكثرته تدهش العقل ، وقد سمعت محمد أسد اللّه يذكر مثل هذا لجلالة الملك ابن سعود في مجلسه الملوكي بمكة ، وهذه بعض أمثلة اجتزىء بها عن الاستقصاء ، فأقول : الطريقة المثلى لعمران الحجاز الاقتصادي إنّ الحجاز فيه بقاع زراعية هي في الدرجة القصوى من الخصب والزكاء ، ولكن ينبغي لها المال والعلم ، فلا بدّ من بناء السدود كما كانت من القديم ، ومن حفر الآبار الإرتوازية لاستنباط المياه ، ومن الاعتماد في السواني على الآلات الرافعة البخارية ( المواتر ) وهناك طريقة رأيتها في الصيف الماضي في جزيرة ميورقة ، وهي الدواليب الهوائية ، تدور بهبوب الريح ، فترفع الماء ، ويتصبب إلى الصهاريج ، ولا يتكلّف عليها صاحبها زيتا ولا فحما . فإذا وجد الماء وجد من الخصب والخير والمير في الحجاز ما لا يوجد في قطر آخر . وأما المال اللازم للمشروعات الزراعية المذكورة فله طريقان :