شكيب أرسلان

282

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

متصلة يتخللها النظم والنثر ، ومقابلة الشيء بمثله من القافية والبحر ، ولا عجب في فصاحة بني شيبة ، وهم لباب قريش ، وخلاصة العرب ، والمقصّر فيهم سابق ، حتى لقد قرأت في « بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس » لأحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة الضّبيّ أنّ أبا العباس أحمد بن رشيق الكاتب لما كان في سن المراهقة يطلب علم النحو بتدمير من بلاد الأندلس ، دخل عليهم من طريق البحر رجل أسمر ، ذكر أنّه من بني شيبة حجبة البيت ، وأنه يقول الشعر على طبعه ، ولا يقرأ ولا يكتب . وكان يقول : إنّه دخل عليه اللحن بدخول الحضر ، وروى ابن رشيق من شعره : يا خليلي من دون كلّ خليل * لا تلمني على البكا والعويل إنّ لي مهجة تكنّفها الشو * ق وعينا قد وكّلت بالهمول كلّما غرّدت هتوف العشايا * والضّحى هيّجت كمين غليلي ذات فرخين في ذرى أثلات * هدلات غضن الذوائب ميل لم يغيبا عن عينها ، وهي تبكي * حذر البين والفراق المديل أنا أولى بغربتي وانتزاحي * واشتياقي منها بطول العويل حلّ أهلي بالأبطحين ، وأصبح * ت مع الشمس عند وقت الأفول فأنت ترى فصاحة الأمي منهم ، فما ظنّك بالمتأدب الذي قرأ العلم وثافن العلماء ، ورأى من رجال الإسلام قصّاد البيت الحرام ما لم يتيسّر لأحد أن يراه . ثم إنّ لهذا البيت من مزية خدمة البيت ما لا يشركهم فيه غيرهم منذ بضعة عشر قرنا ، حتى إنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم لما فتح مكة قال لقريش : « ما تظنون ؟ » قالوا : نظن خيرا ونقول خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت ، قال : « فإنّي أقول كما قال أخي يوسف عليه السلام لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ يوسف : 92 ] » ثم