شكيب أرسلان

252

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

يا ترى هو هذا الذي يقولون له برد ، وقد أوردوا شاهدا عليه قول النعمان بن بشير كما في « تاج العروس » : يا عمر لو كنت أرقى الهضب من بردى * أو العلا من ذرى نعمان أو جردا لمّا رقيتك لاستهونت مانعها * فهل تكونين إلا صخرة صلدا فالأشبه أن يكون هو المراد ، وذلك نظرا لذكره نعمان ، وهو الوادي الذي بين مكة والطائف ومنه إلى الهدا ، العقبة الكبرى التي يقال لها : كرى الكبير ، وأما جرد - محركة - فهو جبل في بني سليم . وأمّا قول الهمداني : إنّ في برد حائطين كبيرين لزبيدة عظيمين يقال لموضعهما وجّ ، فأظنّه يعني بهما الوهط والوهيط ، الأول بفتح فسكون ، والثاني بالتصغير ، وذلك أنّه لا يوجد في سفوح برد مياه تسقي بساتين إلا في الوهط والوهيط ، الأول جار الآن في وقف الأشراف ذوي زيد ، والثاني يخصّ ذرية الشريف عون الرفيق من ذوي عون . لقد ورد ذكر الوهط في « معجم البلدان » قال ياقوت : والوهط المكان المطمئن المستوي ، ينبت العضاه والسمر والطلح ، به سمي الوهط . . وهو مال كان لعمرو بن العاص بالطائف ، وهو كرم كان على ألف ألف - ( أي مليون ) - خشبة ، اشترى كل خشبة بدرهم قال ابن الأعرابي : عرّش عمرو بن العاص بالوهط ألف ألف عود كرم ، على ألف ألف خشبة ، ابتاع كلّ خشبة بدرهم ، فحج سليمان بن عبد الملك « 1 » فمرّ بالوهط فقال : أحبّ أن أنظر إليه ، فلما رآه قال : هذا أكرم مال وأحسنه ، ما رأيت لأحد مثله ، لولا أنّ هذه الحرّة في وسطه . فقيل له : ليست بحرة ، ولكنّها مسطاح الزبيب ، وكان زبيبه جمع في وسطه ، فلما رآه من البعد ظنّه حرّة سوداء .

--> ( 1 ) [ الذي في المجاز ص ( 255 ) : معاوية بن أبي سفيان ، وقد أراد معاوية أن يهب له عمرو الوهط ، فاحتال عمرو لحفظ ماله بحلية لطيفة ] .