شكيب أرسلان

234

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

عام الفتح ، ولي البصرة لمعاوية حين ادعاه ، وضم إليه الكوفة ، فكان يشتو بالبصرة ، ويصيّف بالكوفة ، ويولي على الكوفة إذا خرج منها عمرو بن حريث ، ويولي على البصرة إذا خرج منها سمرة بن جندب ، ولم يكن زياد من القرّاء ولا الفقهاء إلا أنه كان معروفا . ثم ذكر صاحب « الطبقات » أنّ عائشة أم المؤمنين كتبت إليه كتابا خاطبته فيه بزياد بن أبي سفيان ، ومات بالكوفة وهو عامل عليها لمعاوية . وكان زياد بلا مراء من أعاظم الرجال ، قال الشعبي : ما رأيت أحدا أخصب ناديا ، ولا أكرم مجلسا ، ولا أشبه سرا بعلانية من زياد . وقال الأصمعي : أول من ضرب الدنانير والدراهم ، ونقش عليها اسم اللّه ، ومحا عنها اسم الروم ونقوشهم زياد . وقال العتبي : إنّ زيادا أول من ابتدع ترك السلام على القادم بحضرة السلطان ، وقالوا : إنّه أول من عرّف العرفاء ، ورتّب النقباء ، ومشى الأعوان بين يديه ، ووضع الكرسي ، وربّع الرباع ، وخمّس الأخماس في الكوفة والبصرة . ونقل الخير الزركليّ « 1 » عن ابن حزم ما يلي : امتنع زياد وهو قفعة القاع « 2 » ، لا عشيرة له ، ولا نسب ، ولا سابقة ، ولا قدم ، فما أطاقه معاوية إلا بالمدرة حتى أرضاه وولاه . وقال الأصمعي : الدهاة أربعة ، معاوية للروية ، وعمرو بن العاص للبديهة ، والمغيرة بن شعبة للمعضلة ، وزياد لكلّ كبيرة وصغيرة .

--> ( 1 ) [ ما رأيت وما سمعت ص ( 66 ) ] . ( 2 ) القفعة بفتح أوله ، القفة من خوص ، وقد يكون أعلاها ضيقا ، وأسفلها واسعا ، وفي لبنان يصغرونها ، ويقولون : قفّوعة ، وأما القاع فالأرض المطمئنة ، والمقصود بذلك أنّه ليس بشيء في نسبه وحسبه .