شكيب أرسلان

196

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

يغيّرها . قيل : وما المثناة ؟ قال : ما استكتب من غير كتاب اللّه « 1 » كأنّهم جعلوا كتاب اللّه مبدأ ، وهذا مثنى : فأنت ترى أنّه لا هذا ولا هذا فيه شيء من ملابسة معنى بستان أو جنة ، أو واد ذي زرع . وأما قولهم مثاني الوادي ، بمعنى معاطفه وأحنائه ، فهو جمع ثني - بكسر فسكون - لا جمع مثناة . قال في « لسان العرب » : وفي « الصحاح » في تفسير المثناة قال : هي التي تسمى بالفارسية دوبيتي ، وهو الغناء « 2 » وهذا أبعد عن ذلك المعنى أيضا . وقد جاءت معان كثيرة للمثنى بالتذكير ، وكلّها أيضا بعيدة عن هذا المعنى . وعلى كلّ حال ، فلسنا هنا في المثنى بفتح فسكون ، وإنما نحن في المثناة ، ولم يبق إلا أن نردّها إلى اسم مكان من فعل ثنى بمعنى عطف أو حنا ، كأن تكون بمعنى منحنى الوادي . أو أن نردّها إلى اسم مكان من ثنّى بمعنى صيره ثانيا ، لأنّ النهر شق المزرعة نصفين اثنين .

--> ( 1 ) التحقيق أنّ المثناة هذه تعريب المشنا أو المشنة بالعبرية ، وهي الشريعة التي وضعها اليهود بعد السبي باجتهادهم أو ابتعادهم ، ويليها الجمارة ، وهي الشريعة الشفوية لهم ، والتقاليد العملية ، وهما أصل « التلمود » وفسرّها في « القاموس » : بقوله : كتاب فيه أخبار بني إسرائيل أحلّوا فيه وحرّموا ما شاؤوا . ( 2 ) دو بيتي في الفارسية معناه بيتان ، لا الغناء ، فإنّ ( دو ) اسم لعدد الاثنين ، قال شارح « القاموس » بعد ما تقدّم آنفا : وقوله : دو بيت بالفارسية ترجمة الاثنين ، والياء في بيتي للوحدة ، أو للنسبة ، وهو الذي يعرف في العجم بالمثنوي ، كأنّه نسبة إلى المثناة هذه .