شكيب أرسلان
189
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
الكلام على الطائف أول ما يدخل الإنسان إلى الطائف ، بل أول ما يطل على لقيم يشعر بالسرور ، وينشرح صدره انشراحا لا يعهده إلّا في النادر من البلدان . نقل عن الأصمعيّ أنه قال : دخلنا الطائف ، فكأنّي كنت أبشّر ، وكأنّ قلبي ينضح بالسرور ، ولا أجد لذلك سببا إلا انفساح حدّها ، وطيب نسمتها . قلت : أما انفساح حدّها فإنها في بسيط من الأرض أفيح ، يسرح فيه النظر ما شاء أن يسرح ، وحولها بعض جبال عالية ترى من بعيد ، وأهاضيب ترى من قريب ، وجميعها لا تغمّ الطائف في شيء ، وهي مع هذا الانفساح والانفراج والاستواء في الأرض تعلو نحو ألف وستمئة متر عن سطح البحر . وأما طيب النسمة ، فإنّك تحسّ فيها من الانتعاش وسعة التنفس ما لا تشعر به في مكان . وقد كان أصابني في سويسرة زكام في شعب الرئة ، لعلّ أصله من البرد ، فكان يضيق به نفسي كثيرا ، لا سيما إذا استطال الشغل ، فما مضى عليّ في الطائف إلا قليل حتى ذهب هذا الزكام بتمامه ، وصار الهواء يجري في رئتيّ كأنّه في صحراء ، ولما رجعت إلى أوربة قال لي الأطباء بعد المعاينة : إنه لم يبق هناك أثر لشيء يقال له زكام في شعب الرئة ، ولم يكن هذا بأوّل فضل للطائف علي ، بل هواء الطائف هو الذي