شكيب أرسلان
134
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
وبتروغراد « 1 » وهلم جرا ، فتعوّد المترفون منهم رفاهة ورفاغة لا يطمعون أن يحصلوا على مثلهما في الحجاز إلا في قضية الطعام ، فإنّ طهاة مكة والمدينة لا يفوقهم طهاة تلك البلدان ، وربما لا يساوونهم في تطييب الطعام وتأنيقه ، ولكن ليس المأكل هو كلّ شيء ، فلا بدّ للمسلم المترف من أهل تلك البلدان - حتى من أهل مصر والشام والعراق - أن يؤمّن جهة راحته بحذافيرها ، حتى يقوم بفريضة الحجّ . ومن المعلوم أنّ حج مترف واحد يعود على الحجاز بفائدة مادية أكثر من حجّ خمسين شخصا من المساتير أو المتوسطين . أما الفوائد الروحية فلسنا في هذه الجملة بصددها ، وقد نتكلّم عنها في موضع آخر ، ونشرح ما يكفل الحج من جلائلها ، ولكن مع الأسف قد غلبت النزعة المادية الأوروبية على الناس ، وصار البدن هو معبود الإنسان العصري ، فأصبحت لا تقدر أن تقتصر في الدعاية إلى الحج على ذكر ما فيه من اللذة الوجدانية ، والراحة الروحية ، وأنّى لعبدة الأبدان أن يشعروا بمواجيد النفوس ، ولذائذ نعيم العرفان ! ! وكلّ المدنية العصرية مبنية على مدنية أوربة ، وكل مدنية أوربة تقريبا هي مستغرقة في خدمة الحواس ، ولسان حالها ينادي : المادة المادة ! ! ولا ينكر أنّ السيارة الكهربائية والتليفون واللاسلكي قد كفلت في الحجاز في السنوات الأخيرة راحات واختصارات لم يكن يعرفها من قبل ، وأنّ مكانها من الأهمية لا يخفى ، ولكن على الدولة السعودية أن تطرد مشروعاتها العمرانية في الحرمين الشريفين ، وجدة ، وينبع ، والطائف ، الذي هو مصيف الحجاز ، حتى يعرف أغنياء العالم الإسلامي أنّهم إذا قصدوا الحجاز ، لا يرهقون عسرا ، ولا يصادفون في شيء من اللذات التي يبيحها الشرع حرمانا .
--> ( 1 ) [ بطرسبورغ ] .