شكيب أرسلان
127
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
ولولا أنّ الأعمال بالنيات ، لكان كثير من أدعية هؤلاء غير مقبول ، ولكن اللّه سميع الدعاء ، ناظر إلى الضمائر ، عالم بالمقاصد ، لا يحمل إصرا على الضعيف ، وليس بصحيح قول بعضهم : إنّ الدعاء يجب أن يكون معربا ، ليكون عند اللّه مقبولا ، إذا لكان سيبويه أنجح النّاس دعاء . ولا يجب أن يظن أنّ المطوف ينحصر تلقينه هذه الأدعية وهذه الجمل بالهندي والسندي والجاوي والتركي الخ ، بل هو مضطر أن يلقنها أكثر الحجّاج ، حتى من العرب ، لا سيما العوام والنساء والأحداث ، ولا فرق بينهم وبين الحجاج الأعاجم ، إلا في كون العربي يعيد الكلمة من أول مرة على وجهها ، ولا يذيق المطوّف عرق القربة في تعليمه إياها كما هو شأن الأعجمي . وقد صارت للمطوفين وطوافيهم عادة ، أنّهم بمجرد ما يرون طائفا يتطوّف بالبيت العتيق جاءوا إلى جانبه ، وجعلوا يلقنونه ما يحسن أن يقوله ، حتى لو كان الإمام الغزالي ، أو السيد محمد رشيد رضا من أئمة زماننا ، وذلك ناشىء عن أنّهم لا يعرفون الناس ، ولا يفرقون بين العالم والجاهل . وقد جاءني واحد من هؤلاء وأنا أطوف ، وجعل يقول لي : قل اللهم كذا ، اللهم كذا ، حتى أعيدها من بعده ، فقلت له : أنا غير محتاج إلى من يعلّمني العربية ، ولا كيف يجب أن أخاطب بها ربي . هذا والمطوّف هو الذي يكفل جميع حاجات الحاجّ وأغراضه ، منذ يطأ رصيف جدة ، إلى أن يطأ سلّم الباخرة قافلا ، فيحمله إلى مكة ثم
--> - خير دنياه وآخرته ، وقد اقترحت على الملك أن يأمر بتعليم المرشّحين لهذه المهنة تعليما خاصا ، بحث يكونون من المتفقهين في الدين ، وقادرين على إتقان خدمتهم للحاج من كل وجه ، ولا بدّ أن يفعل إن شاء اللّه تعالى .