شكيب أرسلان

101

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

والأوساخ ، ووجدوا القني مقطّعة ، والآبار معطّلة ، والقصور غير مشيّدة ، والقناطر مهدّمة مبعثرة . ونحن وجدنا هذه المرة في تسيارنا في جبال الحجاز - فضلا عما نعرف من غيرها من بلداننا - من آثار العمران الدارسة ، والسدود الداثرة ، والقنوات المنقورة في الصخور ، المنقطعة عنها المياه الجارية ، ما لا يكاد يأخذه الإحصاء ، ورأينا منها شيئا كثيرا ليس ترميمه بالأمر المعجز ، مع شدة ضرورته ، وقضينا العجب من إهمال الولاة الغابرين إياه ، وتهاونهم بعمارة البلاد إلى هذا الحد ، كأنّ البلاد بلاد أعدائهم « 1 » . فمن أجل ذلك فسحنا مكانا واسعا في كتابنا هذا لابن كريز ، وزبيدة العباسية ، والوزير الموصلي جمال الدين الجواد ، ومن في ضربهم من رجالات العمران ، وبناة المدنية ، ونمثلها لهم بقول المعري : جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم * بعد الممات جمال الكتب والسّير وإذا كان قد جرى ذكر المنازل في الفلوات ، فسنأتي على أخبار أخرى لطيفة من هذا الموضوع ، لا تضيق بها رسالة « الارتسامات اللطاف » بل تكون بالعكس وشيا لطرازها . * * *

--> ( 1 ) وقد حبّس المسلمون المتقدمون على الحرمين الشريفين من الأوقاف الكثيرة في كلّ قطر ما يكفي لجعل الحجاز أعظم بلاد اللّه عمرانا ، وقد أكل المسلمون أكثر تلك الأوقاف ، ولا يزال المعروف منها يكفي لعمران الحجاز ، ولكن يحول دون وصوله حكامهم الظالمون ، وأعداؤهم الكافرون ، الذين استولوا على أكثر بلاد المسلمين .