اولياء چلبي

11

الرحلة الحجازية

زاروها . . والوديان التي نزلوها . . والجبال التي قطعوها . . والصعوبات التي واجهوها . . قيّدوا ما رأوا من آثار . . وسجلوا ما وعته الذاكرة من العادات والآعراف . . وسمات الثقافات ولطائف الأخبار . . إن هذه اللفتات التي نعثر عليها في كتب الرحلات هي التي تميز الرحّالة عن الجغرافي . . فالجغرافي ؛ يسأل ، ويستقصي ، ويقيس ويحقق ، ويحاول أن يحتوي كل جزء من المنطقة التي يعرض لدراستها ، أما الرحالة فيلتقط ما يشاهده من جزئيات . . ويرسم لنا منها صورة . . تتطابق . . وتتشابك آحيانا . . وربما تتنافر وتتباعد أحيانا أخرى . . . . ففيها ذاتية المشاهد . . وموضوعية الموجود . . أدب الرحلات : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) « 1 » فكان لقريش رحلتان ؛ رحلة الشتاء ، ورحلة الصيف . . وكانتا للتجارة . . ذلك لأن أهل مكة كانوا تجارا . . وكانت قوافلهم تنقل المتاجر من اليمن إلى الشام ، وتحمل بضائع الشام إلى اليمن . . الفتوح العربية الإسلامية ، فتحت الأفاق ، وآتسعت رقعة الإتجار ، وتبادل السلع والمتاجر . . وكان التجار يتعرفون على أهل الديار وثقافاتهم ، وكانت هذه المعرفة تنتقل رواية ، وآخبارا حتى قيض اللّه لها من يدونها ، وتصبح جزءا من التراث الأدبي للرحلة . رحل الناس في طلب العلم من مكان إلي آخر ، فهذا بغدادي يشد الرحال إلى دمشق وهذا دمشقي يقصد بخارى ، وهذا تونسى إلى القاهرة وهذا قاهري يطلب العلم في فاس . . . وهذه الرحلة في طلب العلم ؛ كانت أحرى بأن تدوّن أخبارها ، وتبقى آثارها من أخبار تنقل التجار ، وآصحاب الآعمال . . ومن هذه ، وتلك وصلت إلينا أخبار ، وأخبار هي من مفاخر التراث الإسلامي . جاء الإسلام ، ففرض الحج علي المؤمنين ، ولو أنه جعل الاستطاعة شرطا ، والذين استطاعوا إلي الحج سبيلا ، في هذا التاريخ الطويل ، كثر . ولم يكن جميعهم ممن

--> ( 1 ) سورة قريش الآيتان 1 ، 2 .