بنيامين التطيلي
296
رحلة بنيامين التطيلى
للاحتظاء بمشاهدته . ويمتطي الخليفة عند خروجه جوادا مطهما ، وهو مرتد بردته المقصبة بفضة وذهب ، ومتوج الرأس بقلنسوة مرصعة بالأحجار الكريمة التي لا يعدلها ثمن . وفوق القلنسوة قطعة قماش سوداء اللون ، فيها ما يشير إلى التواضع ، وفيها موعظة للناس بأن هذه الأبهة كلها سيغشاها السواد عند انقضاء الأجل « 1 » . فيتحرك ركاب الخليفة ، يحف به نبلاء المسلمين وسراتهم ، وكلهم رافل بالحلل الزاهية فوق صهوات الخيول . وهم أمراء العرب وعظماء الترك والديلم وفارس ومادي والغز والتبت ونواحي سمرقند التي تبعد مسيرة ثلاثة أشهر عن بلاد العرب . فيتوجه الموكب إلى المسجد الجامع للمسلمين في باب البصرة « 2 » . وتزين جميع الطرق والأسواق التي يمر بها أبدع زينة بالأقمشة الحرير ذات الألوان الزاهية . فيستقبله الناس بالهتافات والتهاليل ، ويخرون سجدا بين يدي هذا الملك الذي يسمونه الخليفة ، وهم ينادون : « السلام على أمير المؤمنين ونور الإسلام ! » والخليفة يرد عليهم التحية بلثم أطراف بردته والتلويح بها . فإذا ما دخل الجامع ، يرتقي منبرا من خشب فيشرع في إلقاء خطبته
--> ( 1 ) راجع رحلة ابن جبير ص 182 . إن بنيامين يفسر وجود القماش الأسود فوق قلنسوة الخليفة على هذا الوجه غير عالم أن اللون الأسود كان شعار خلفاء بني العباس . ( 2 ) هو جامع المنصور . وفيه كانت تقام صلاة الجمعة . ( ابن جبير ص 179 ) والمعروف عن الخلفاء في القرن السادس للهجرة أنهم كانوا يؤدون فريضة الصلاة في جامع الخلفاء . وموقعه في المحلة المعروفة اليوم بسوق الغزل . ومن آثاره الباقية « منارة سوق الغزل » المجددة على عهد المغول .