اولياء چلبي

36

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة

الفيضان ويملئون بها الغرائر ويذبحونها في منازلهم ويتناولون لحمها ويبيعون جلودها ، وهي غاية في سمنها . وذيلها قصير ونوع منها ذيله طويل ، وشفتها العلوية مشقوقة مثل شفة الأرنب . إنها فأرة غبراء ، زنة الواحدة منها مائة درهم ، ومنها ما يزن رطلا . وهذا الحيوان يتكاثر في الأرض بأمر الله ولا يربيه أحد . حتى إنه يكوم أرضه أكواما أكواما ، فيعرف الصيادون من ذلك أن ثمة فأر بها فيحفرون جحره ويخرجون ما به من فئران ويأكلونها . ولحكمة لا يعلمها إلا الله فإن بعض هذه الفئران فئران إلى وسطهم أما ما تحت وسطهم لا يفترق عن التراب ، بل هو تراب مخلوط بالدم . وهناك فئران على هيئة تراب تنفخ فيها الروح فيما بعد وتصبح لحما ، أما إذا أخرجت قبل ذلك من جحورها وتعرضت للهواء نفقت ، إذ إنها لم تكتمل نموا . سألت عنها العرب ، فقالوا : إنها تتولد من الماء في أربعين يوما . وسألت قائلا : هل تتزاوج هذه الفئران ؟ فقالوا : نعم إنها تتزاوج ، إلا أنها لا تلد وذلك بأمر الله . ثم سألتهم عن نفعها ، فقالوا : إن لحمها سريع الهضم ومن أكله سمن ، وهو جد مقو للباه . وتلك حكمة عجيبة كذلك ، بيد أن طائفة المعتزلة من ضعافى العقول ينكرون هذا من خلق الله ، ولكني رأيت ذلك بعيني رأسي وقد دفعت خمس پارات ثم عشر للعربان الّذين يخرجون هذه الفئران من جحورها ، فرأيت أن نصفها ذو روح والنصف الآخر من تراب وبعضها مما نصفها دم ونصفها تراب ليس لها روح . وهذا من عجيب صنع الله . أو ليس هذا عبرة لمن يعتبر من بنى الإنسان ؟ ، وحسبنا قوله عز من قائل ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً . . . [ المؤمنون : 14 ] . دليلا قاطعا على ذلك . ومن لم يسلم بآراء ومعتقدات المعتزلة ويقر آراء أهل الشريعة يقرأ قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 20 ] . ويقصر عن القول .