كارستن نيبور
35
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية
يحضر الماء الذي يشربونه في انائه الخاص وذلك في وقت لا يحضر فيه أحدهم الماء من البئر نفسها ، كما يصومون نصف أيام السنة ولا يأكلون خلالها إلّا أصناف محددة . باختصار ، إن واجبات البراهماني متعددة وصعبة للغاية ، حتى أن تاجرا براهمانيا في مسقط أكّد لي أن قلائل من طبقته هم الذين يتمكنون من التقيّد بهذه التعاليم وتنفيذها كلها من دون استثناء . ولا يأكل البنيان أيضا ما ينبض بالحياة ، لكنهم لا يتوافقون على العيش كالهنود ، ونادرا ما يصاب هؤلاء الأخيرون بالأمراض ، كما يتجدّدون دائما في عملهم ، على عكس الأوروبيين الذين لكثرة ما يأكلون ويشربون وفي أوقات غير منظّمة لا يقوون على العمل ويصابون بأمراض تؤدي إلى موتهم غالبا . وضع البراهمانيون قواعد عدة للهنود حول الأكل والشرب ، فيجلسون متربعين على سجاد أو أرائك كالاتراك والعرب « * » وبعيدين عن بعضهم البعض حتى أن ملابس أحدهم لا تلمس ملابس الآخر . ولا يستخدمون للأكل شوكة أو سكينة أو ملعقة ، بل صحونا هي عادة أوراق كبيرة يرمونها خارجا ما أن ينهوا وجبتهم ، ولا يشربون أبدا من إناء استخدمه شخص من ديانة أخرى . عندما أبحرت نحو جزيرة الفيل ، كان البحارة يحتفظون بجرّة مياه مشتركة ، يشربون مباشرة من دون أن تلمس الجرة شفاههم ، ولعل الجرّة تعود لوثنيين . وهناك بين البحارة مسلمون أو أن الوثنيين من طبقات أخرى . ويطلب من الهنود المحافظة على نظافتهم ، حتى أكثر من المسلمين ، فلا يكتفون بالاغتسال قبل الوجبات وبعدها وفي أوقات معينة ، انما ينبغي أن يغتسلوا كليا صباحا ومساء . ونجد في الهند حاليا ، حيث ازدهرت الفنون والعلوم في الوقت نفسه الذي ازدهرت فيه في مصر ، أعمالا قديمة تثير العجب . لكن يبدو أن الأوروبيين لم يكترثوا لها ، فقد ذكر العديد من المسافرين المعبد الوثني القديم على جزيرة الفيل الصغيرة قرب بومباي عرضا . وألفيته غريبا وجديرا باهتمام محبي الآثار ، حتى أني زرته ثلاث مرات ورسمت كل ما أثار انتباهي . ويقع هذا المعبد عاليا في الجبل حيث حفر في الصخور الصلبة ، ويبلغ طوله 120 قدما وعرضه المساحة نفسها تقريبا إذا ما استثنينا المذابح القائمة على الجهتين ، ونجد رسما له على اللوحة III . ويقوم المدخل الرئيس في الجهة الشمالية ويمتد أمامه سهل نسّق بفن ويطل على البحر والجزر المجاورة ، كما نجد مداخل من جهتي الغرب والشرق لذا لا يفتقر المعبد للهواء المنعش إذا ما نظّف ، لكنه يستخدم حاليا كزريبة للحيوانات لا سيّما ذوات القرون التي تدخله عند اشتداد القيظ . إن سطح المعبد غير مرتفع بسب الغبار الذي يحمله الهواء والتراب الذي تجرفه الأمطار ، لكن الكمية قليلة مما يدعو للاعتقاد بأن المعبد نظّف منذ سنوات .
--> ( * ) انظر وصف شبه الجزيرة العربية .