كارستن نيبور

60

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية

أن جميع منارات الجوامع مستديرة الشكل ، لاحظنا أن إحدى منارات ميت غمر مربعة ، مما يدفعنا للظن أنها كانت قديما جرس كنيسة . مما لا شك فيه أن السكون الذي يسود عند المساء ، يساعد البواخر القادمة من القاهرة على الإبحار ليلا ، دون أن يخشوا ردة فعل سكان القرى المحاذية للنيل ، وخاصة وأن الرياح الشمالية تهب في النهار ؛ وفي ذلك اليوم حالت الرياح القوية دون متابعة طريقنا ، لكن بعد أن هدأت ليلا غادرنا زفته ، ترافقنا باخرتان أخريان . وما كدنا نقطع مسافة صغيرة ، حتى رأينا سفينة للقراصنة متوجهة نحونا ؛ لكنها بدّلت وجهتها بعد أن أطلقنا النار عليها . وشاهدنا لاحقا ، في ظل الأشجار ، وخلف الجزر الصغيرة ، زوارق مختلفة ، ظن الربّان أنها تابعة للقراصنة ؛ ولكن لم تجازف أي منها بقطع الطريق علينا . وفي اليوم التالي ، رأينا عوامات محمّلة بالأواني والأباريق الفخارية ، من مصر العليا . وفي سبيل صنع عوامة مماثلة تعلق الأواني وتربط إلى جانب بعضها تحت خشب النخيل الخفيف الوزن ، ويتراوح طولها بين 40 و 70 قدما وعرضها بين ربع ونصف قدم ؛ يقودها 6 أو 7 رجال ، يستعملون أغصان الشجر لدفعها ، ويحملون عليها كل ما يلزم لتحضير الطعام في تدبير أمورهم . ويقال إنهم ينقلون في الأواني الفخارية بضائع غالية الثمن . لكن لا يبدو لي ذلك صحيحا ، لأن المياه تتسرب إلى الأواني وتتلف كل ما فيها . والجدير ذكره أن هؤلاء الرجال يستعملون ( النقّافة ) للدفاع عن أنفسهم ضد القراصنة . وبعد أن يبيعوا الأواني الفخارية والعوامة ، يعودون إلى مصر العليا مشيا على الأقدام . وفي ذلك النهار ، لم يلفت نظري إلا بلدة المنصورة حيث سجن لويس الحادي عشر . ومع أنها لا تبدو أكبر حجما من دمياط إلا أنني لم أستطع مشاهدتها إلا عند مرورنا بقربها . فقد بني على هذه الضفة من النيل ، سور كبير ، يمتد حتى بحيرة باهر ، وهذا السور يحول دون تدفق المياه بكثرة لري الأرياف المجاورة الغنية بالأرز . ثم عند وصولنا إلى المنصورة ، هبت الرياح الشمالية وأجبرتنا على بلوغ الشاطئ . فاغتنمت هذه الفرصة لتحديد ارتفاع القطب على بعد نصف ميل من البلدة الشمالية - الشمالية الشرقية ؛ فتبين لي أن المنصورة تقع على بعد 31 دقيقة و 3 ثوان من خط العرض . وفي الخامس من أيار / مايو أنهينا رحلتنا إلى دمياط . ولم يلفت انتباهنا في الطريق ، سوى 20 مركبا ، محمّلة بالنحل ؛ وكان سنجق المنصورة قد حطّ رحاله مع 40 عبدا وخادما بين قريتي بدوي وكفر بدوي بغية تحصيل أرباح النحل ؛ إذ كان كل مركب يحمل 200 خلية نحل ، مما يعني أن العشرين مركبا كانت تنقل 4000 خلية ، يبلغ طول كل واحدة منها ثلاث أقدام ، وقطرها قدم واحد . مما لا شك فيه أن موقع بلدة دمياط ملائم للتجارة ، شأنه في ذلك شأن بلدة رشيد ؛ فالبضائع الآتية من سوريا والبلدان المجاورة تمر في دمياط حتى تنقل بعدها إلى القاهرة . وفي المقابل لا نجد فيها تجارا أو كهنة أوروبيين ، رغم أنها تضم بعض الموارنة والمسيحيين الشرقيين الذين ارتبطوا بالكنيسة الرومانية ، ويحكى أنه كان يقيم قديما في دمياط قنصل وتجار فرنسيون ؛ لكن بعد أن لاحظ السكان تعلّق الأوروبيين