كارستن نيبور
55
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية
في 8 تشرين الثاني / نوفمبر ، مررنا أمام مدينة فوه ، وقد فقدت هذه المدينة مجدها وازدهارها السابقين . يقال إننا يمكن أن نرى حتى اليوم الجمارك ، ومنزل قنصل البندقية الذي أقام في هذه المدينة . ونجد بالقرب منها قناة ، تتحد مع أخرى أكبر من منها رشماني ، وبعد ريّ الحقول المجاورة ، وملء خزانات المياه في الإسكندرية ، تصب في البحر قرب هذه الأقنية غالبا ، وكوّنت هذه الأتربة تلالا لا نجدها في أماكن أخرى في هذا البلد المسطح . وترسو السفن المتوجهة من رشيد ودمياط إلى القاهرة في مرفأ بولاق الذي وصلناه في 10 تشرين الثاني / نوفمبر مساء . إن الرحلة ممتعة للغاية في هذا الفصل حيث يكتسي الريف ثوبا أخضر ، وتحيط بالنهر القرى على الضفتين . وبالرغم من أن المنازل حقيرة بشكل عام ، لأنها مبنية من الآجر غير المشوي ومسطّحة من الأعلى ، يحيط بها الكثير من أشجار النخيل ، وتكثر أبراج الحمام المميزة في هذه البلاد ، مما يضفي على المشهد العام طابعا ممتعا وغريبا بالنسبة لأورويي وصل البلاد لتوه . ونشاهد قرب العديد من القرى ، بقايا مدن قديمة ، كما نجد قرب تيران ( Ter ne ) كميات كبيرة من الملح أو ملح البارود الذي يستقدم من أماكن مختلفة ، لنقله عبر النيل ، وإرساله إلى الخارج . ولم أر تماسيح في هذا النهر بين رشيد والقاهرة ودمياط ، ويعتقد المصريون ، أن حجابا وضع في السور في المكياس ( Mikkias ) قرب القاهرة يمنع هذه الحيوانات من التوجه نحو أسفل مجرى النهر . ولكل مركب وإن اختلف قليلا عن غيره اسم مختلف في اللغة العربية كما في اللغات الأوروبية ، أما تلك التي تقتصر رحلتها على الإبحار بين الإسكندرية والقاهرة فصغيرة ومسطحة القعر . وقمنا برحلتنا بين الإسكندرية ورشيد على متن مركب يحمل اسم شرم ( Scherme ) ، وفيه حجرة واسعة مريحة ، وكان يتم جرّه حين يكون الطقس هادئا ، لذا لم تستغرق رحلتنا طويلا . ويكثر الحديث عن قراصنة يجوبون النيل ، لكنهم لا يثيرون القلق ، شرط أن نقوم بالحراسة ليلا ، وأن نطلق النار غالبا ، كي يدركوا أننا نحمل أسلحة نارية . ونبقي عادة مصباحا مضاء أثناء الليل ، ليعرفوا أن المركب يحمل أوروبيين ، وهم يعلمون أنه يصعب مفاجأتهم وهم نيام . وفي شهر آذار / مارس من العام 1762 ، تمّ نهب ثلاثة مراكب على ساعد النيل هذا . ويسود الاعتقاد بأن هؤلاء القراصنة قلّما يهاجمون مركبا بأكمله ، إلا إذا علموا مسبقا بأن عدد ركابه قليل أو إذا كانوا على اتفاق مسبق مع الريّس ( Re ? is ) . وهناك أمثلة على ( ريّاس ) تقاسموا الغنيمة مع القراصنة ، لذا ينبغي على المسافر الاستعلام لمعرفة لمن يسلّم أمره . ويعرف قراصنة النيل عملهم جيدا ، وبما أنهم تعلموا السباحة ككافة سكّان ضفاف النهر ، إما لقضاء ساعات حلوة في الماء عند اشتداد القيظ أو لاجتياز النهر بأقل كلفة ، يصعد هؤلاء على متن المركب حين لا يجرؤون على الظهور مع مراكبهم الخاصة ، ويحملون كل ما تقع عليه يدهم على سطح السفينة ثم يقفزون إلى الماء مع ما سلبوه . ولدينا أمثلة على أنهم لم يدخلوا المركب في بعض المرات ، بل اكتفوا بمدّ أيديهم ، وسرقة الأغراض من تحت