كارستن نيبور

48

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية

الغرانيت الأحمر ، وقسم هذا العمود إلى ثلاثة أقسام ، كل منها ضخم للغاية ؛ لم أستطع تمييز إلا القليل من الكتابات المحفورة على الجهة الجنوبية الغربية من العمود ، ولقد حاول السيد دي هافن جاهدا ، اكتشاف المزيد ، لكنه لم يتمكن من معرفة القدر الذي يدّعي الآخرون اكتشافه قبلنا . ويبدو أن المهندس المعماري اليوناني لم يشأ تخليد اسمه بهذه الكتابات أو أنه لم يكن يعرف طبيعة الحجر كما عرفها المصريون القدامى ، لأن اليونان لو حفروا هذه الكتابات على العمق نفسه الذي حفر فيه المصريون الحروف الهيروغليفية على المسلّات لأمكن قراءتها . ونلاحظ أن قدماء المصريين اعتادوا الكتابة على جهات المسلّات الأربع ، أما اليونان فقد كتبوا على الجهة الوحيدة من العمود التي عانت الأكثر من عوامل الزمن . وكانت أساسات العمود قد تعرّضت للكثير من الأضرار ، عند وصول نوردن ، وقد عمل تشربتشي على إصلاحها ، لكن لا يمكننا أن نستنتج أن العمود الكبير قائم على عمود آخر أصغر حجما كما يؤكد بعض المسافرين . وهذا دليل على أن المسلمين لا يعملون جميعا على إلحاق الضرر بالأثريات ، وتجدر الإشارة إلى أن العديد منهم يحاول الاستفادة من هذه الآثار ، ولا يختلفون في ذلك عن الأوروبيين . ولنفترض أن رجلا فقيرا وجد في حديقة منزله عمودا أثريا جميلا ، إذن لآثر جعله رحى يستفيد منه . وتوازي زوايا مسلّة كليوباترا الأربع أركان العالم الأربعة ، لكن زوايا قاعدة عمود بومبي تنحرف حوالي 12 درجة ، إذا ، يحتمل أنهم اعتمدوا على موقع الصروح المحيطة ببناء هذا العمود وليس على موقع الهاجرة كما حصل عند بناء الأهرام . ولقد لا حظت خلال إقامتنا في الإسكندرية ، أن العرب يتسكعون حول المدينة وبين الآثار ، ولم أشأ التعرض للسلب عند وضع خارطة للمدينة ، ولا سيما وأننا نملك واحدة ممتازة وهي تلك التي وصفها السيد نوردن . وبما أنني أستطيع رؤية جزء كبير من أسوار المدينة القديمة من على المرتفع الذي يقوم عليه عمود بومبي ، قمت بقياس بعض الزوايا من هذا المكان ، على أمل أن أسجل قياسات أخرى من أماكن مختلفة . ودفعت الحشرية أحد التجار الأتراك الحاضرين للنظر عبر المنظار الذي وجهته نحو المدينة ، فتخوّف من رؤية برج مقلوب ، وشاعت الأخبار أني جئت المدينة لأقلبها رأسا على عقب ، ووصلت الشائعة إلى أذني الحاكم . ورفض الانكشاري المخصص لحراستي مرافقتي وأنا أحمل معي معداتي ، وبما أني كنت أعتقد أنه لا يسمح لأوروبي الخروج في المدينة دون أن يرافقه انكشاري ، لم أكمل عملياتي الحسابية . وفي وقت لاحق ، رأى عربي في رشيد مركبا مقلوبا عبر منظاري فكاد يرميه في الأرض ، مما دفعني إلى توخي الحذر في أعماقي ، واضطررت إلى ذلك طالما لم أتمكن من التحدث معهم لجهلي لغتهم . وحضر فلاح شريف ورزين الدراسات الفلكية التي قمت بها على الطرف الجنوبي للدلتا ، ولكي يرى أمرا مثيرا ، أدرت المنظار ناحية القرية ، فهلع عند رؤيته المنازل المقلوبة ، وسأل خادمي عن السبب فأجابه أن الحكومة مستاءة من سكّان القرية فأرسلتني لأدمرها ، فأصيب الرجل بالجزع وطلب مني الانتظار كي يضع زوجته وأولاده وبقرته في مكان آمن ، وأكّد له خادمي أن أمامه ساعتين فأسرع عائدا