كارستن نيبور
42
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية
لمخاطر عدة ، لأن شواطئ مصر منخفضة للغاية مما يجعلها خطرة جدا بالنسبة إلى المراكب القادمة . واعتدت قياس ارتفاع الشمس كل يوم عند الظهر ، وكنت أدلّ القبطان على مكان وجودنا على الخارطة وأحدد له كم نبعد عن الإسكندرية ، مما أسعده ، فطلب من أمين سره أن يراقب هو أيضا الشمس ليحدد المسافة التي تفصلنا عن المدينة ، لكن حين رأى هذا الأخير أن هذه الدراسة تتطلب جهدا كبيرا والكثير من الحسابات لتحديد ارتفاع القطب فضّل الاكتفاء بالوسائل القديمة . يتكلم كل من القبطان وأمين سره والبحارة القليل من الإيطالية ، وقد زار أمين سرّه البندقية ومرافىء أخرى في إيطاليا حتى أنه وصل إلى فيينا . وروى له الكاثوليك أخبارا عن غيرهم من المسيحيين أغرب مما يرويه السنّة عن غيرهم من المسلمين . وسألته يوما ، إن كان هناك وثنيون في البلاد الواقعة تحت حكم السلطان فأجابني بوجود الكثيرين منهم في ألمانيا وهنغاريا ، ويطلق عليهم هناك اسم اللوثريين ، وليس لديهم أدنى فكرة عن الله وأنبيائه ، الخ . وأظهر ، خلال النقاشات حول الدين ، أنه مسلم حقيقي ، وحاول أحد العلماء في بعثتنا إقناعه بحقيقة الدين المسيحي ، فغادر قائلا إن من يؤمن بغير الله هو ثور وحمار . وهكذا أعلمنا الرجل بضرورة ترك كل شخص لإيمانه ، ولاعتقاده بأن ديانته هي الأفضل طالما لا يشك هو بالأمر ، لكن حين راجعت لاحقا بعض المسلمين حول مبادئ دينهم ، أطلعتهم بعض الشيء على الديانة المسيحية ، من دون أن أشير إلى أنها أفضل من مبادئ القرآن ، ولم يغضب بالتالي أحد منهم . وكان أمين السر يقوم بمهام الإمام على متن السفينة ، فبعد أن يتحضر المسلمون للصلاة ، أي بعد الاغتسال وفقا لأصول معينة ، يبسط الإمام أمام الآخرين سجادته على أن يستقبل مكة . يصطف الآخرون جنبا إلى جنب ، وراء الإمام ، كي يتمكنوا من رؤية حركاته ، ويوجهوا وجوههم شطر مكة . وعند بدء الصلاة ، يضع الإمام إبهاميه وراء أذنيه ، للإشارة إلى أنه يتعالى عن الأمور الدنيوية ويحصر فكره بالله وحده ، ويقلّده كل من يصلي وراءه . كما يقلدونه حين يركع ويسجد ، ويرددون وراءه كلمة الله أكبر حين يقولها . وباختصار ، يقلّد المسلمون في أثناء الصلاة من يؤمّهم ، وبما أنني ، لم أكن أعرف هذه الأمّة عن كثب ، خشيت أن أثير استياءهم إن حضرت صلاتهم . لكنهم لا يخجلون من تواضعهم أثناء الصلاة ولا من الشعائر التي يتبعونها عند ذكر الله ، ولهذا السبب ، لا ينشغلون عن صلاتهم بوجود أجانب يتبعون ديانة مختلفة عن ديانتهم . وكنت مرة في منزل حاكم السويس ، وعند وصول الإمام ، وفيما أخذ الحضور في التحضر للصلاة ، أردت المغادرة ، لكن الحاكم نفسه أشار بإمكانية البقاء . ويبقى الشعب هو الوحيد الذي لا يحتمل وجود مسيحي في المسجد ولا سيما في أوقات الصلاة . ونرى الكثير من المسلمين الذين يصلّون في منازلهم ، فلا يتوجهون دائما إلى المساجد أو إلى أماكن التجمع حيث يكون الإمام ، إنما يصلّون في مكان تواجدهم ساعة الصلاة وإن كانوا في الشارع . وهكذا يصلي كل منهم على متن السفينة حين يتسنى له ذلك أثناء النهار . وكانت صلاة المساء تتم جماعة ، بعد مغيب الشمس مباشرة ، ويختمونها قائلين : « اللهم اجعل رحلتنا سعيدة ! » .