كارستن نيبور

26

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية

أمام قرص الشمس ، وبما أنه كان مغطى بغيمة سميكة عند انجلاء القسم الأول لهذا الكوكب ، لم أر سوى انجلاء القسم الأخير منه . بعد مراقبة الكوكب ، قست ارتفاع الشمس مرارا ، واحتسبت ارتفاع القطب حيث كنا ، ثم صححت الساعة بعد مراقبة القطب في اليوم الثاني عند الظهر . وتبين لي من هذه الدراسة ، الوقت الصحيح أن انجلاء الجزء الأخير لكوكب الزهرة عن قرص الشمس هو الساعة 9 و 3 دقائق ، و 53 ثانية ، على خط العرض 40 ؟ 6 ؟ ، قرب خط هاجرة مدينة مارسيليا . وصلنا جزيرة مالطا في 14 حزيران / يونيو ، ورسونا في المرفأ الكبير ، بالمدينة ، لأن عاصمة هذه الجزيرة مقسّمة إلى مدن عديدة صغيرة ، محاطة بمجموعة خلجان تشكّل مرافىء آمنة . ويبدو منظر المدينة رائعا من هذه الناحية ، وقد بنيت منازلها على الطريقة الشرقية ، أيّ مسطّحة من الأعلى وتستند إلى مرتفعات وعرة ، وهي من الحجر المقصوب ، حتى الحصون بنيت بالطريقة نفسها أو حفرت في الصخر . أما الصخر الذي تقوم عليه الجزيرة فمن الحجر الكلسي الليّن الذي يمكن حفره بسهولة كالخشب . ولا ينبغي أن نستغرب إن وجدنا الكثير من الكنائس والقصور الرائعة لأن الجزيرة غنية بالمال وبالمهندسين الماهرين « 1 » . وتبقى كنيسة القديس يوحنا أبهى كنائس مالطا ، فقد سخا عليها سادة المدينة الكبار وزينوها بقبورهم الرائعة . ويقال إنها جمعت كنزا لا يصدّق ، من ضمنه زينة ذهبية وفضية ثقيلة الوزن كالتماثيل والثريات وغيرها فضلا عن شمعدان كبير مع سلسلة ذهبية يقال إنها كلّفت 000 ، 500 قطعة نقدية من نقد مالطا . ونجد العديد من الأشياء الثمينة ضمن الكنوز المحفوظة في الكنائس المتاخمة ، ومن بينها صليب من الذهب الصافي ، يزن 24 ليبرة ، وجزء من مهد يسوع المسيح المرصّع بالأحجار الكريمة . باختصار ؛ فإن ثروة هذه الكنيسة تفوق كنوز الكعبة في مكة ، كما تفوق كنوز ضريح محمد في المدينة . ونجد في المدينة مستشفى جيدا ، يستقبل كافة المرضى من دون استثناء ويعنى بهم ، ويقال إن الطعام يقدم بأطباق من فضة ، ولعل هذا الأمر الأخير يخصّ به الفرسان المرضى أو ذوي الشأن . أما اهراءات الحنطة الكبرى فمحفورة في الصخر ، ويتم جرّ المياه إلى المدينة من نبع يبعد عنها ثلاثة أميال تقريبا ، وذلك بواسطة أنابيب بنيت في بداية القرن السابع عشر . يبلغ طول جزيرة مالطا أربعة فراسخ وثلاثة أرباع أما عرضها ففرسخان وربع . وتتميز الجزيرة بشاطئها المتعرّج في الجنوب وشاطئها المستقيم في الشمال ، حيث نجد العديد من الخلجان ، وحيث تمّ بناء العديد من الأبراج والحصون لصد هجوم الأعداء ، فأصبحت الجزيرة بالتالي محصّنة كليا . ولا نجد سوى مساحة صغيرة مزروعة ، لكنها أرض غنية بكافة الفواكه الشهية ، ويكثر

--> ( 1 ) نجد في الحجر الكلسي في مالطا الكثير من الأصداف والحلزونات المتحجرة وألسنة الأفعى التي يظن علماء الطبيعة أنها أسنان أسماك ، وأخيرا عيون الأفعى التي يركّبها صائغو المدينة في الخواتم ، أو في السلاسل الذهبية المشغولة بطريقة بارعة والتي يبيعونها للأجانب . يقال إن ألسنة الأفعى هذه وعيونها تبرهن أن القديس بولس طرد هذه الحيوانات السامّة من مالطا ، لكن لعل هذه الأفاعي لا يمكن أن تعيش على هذه الأتربة الجافة والمغطاة بالصخور ولا بد من وجود جزر صغيرة أخرى لم يطأها القديس ، ولكن لا وجود للأفاعي فيها .