كارستن نيبور
18
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية
تقدم المخاطر التي يتعرض لها من يسافر بحرا وكم يصعب على البحار تحديد زمن وصوله ولا سيما في هذه المناطق الشمالية حيث الرياح غير منتظمة بعكس المناطق المدارية . واستأنا لعودتنا للمرة الثالثة ، لكن ما لبثنا أن سررنا لوجودنا في مرفأ لأن عاصفة هو جاء هبّت في اليوم التالي ، فحمتنا الشواطىء من غضب الطبيعة ، لكننا اضطررنا إلى إنزال عارضات الصاري والصواري كي لا تعاني السفينة من الرياح العاتية . وأخذت الأمواج تلطم السفينة بعنف كما لو كنا في بحر الشمال ، فأنزلنا مرساة ثالثة خوفا من ألّا تكفي الأوليان لإيقاف الباخرة . وهبّت الرياح من الغرب ودامت حتى الخامس من شهر آذار / مارس ثم هدأت تدريجيا . كان لا بد لنا ، بحسب تقديرنا وبحسب يوميات المسراع « 1 » ، من أن نتقدم أكثر نحو الشمال عند مغادرتنا ، ونحو الجنوب عند عودتنا ، فراقبت المسراع ، وتبين لي أن خطه قصير بعض الشيء وأن الرمل لا يسيل إلا 29 دقيقة ، واعتقدت أن في الأمر خطأ ما ، لكن تبين أن البحارة قلصوا خط المسراع عمدا لأنه يتمدد لاحقا بعد الاستعمال ، وبالتالي يتم تصحيح الخطأ الناتج عن قصره تلقائيا . أما سبب عدم سيلان رمل النصف دقيقة 30 ثانية فيعود إلى عدم إمكانية إيقاف الخط في الوقت المحدد الذي تعطى فيه الإشارة ولا سيّما حين تكون السفينة مسرعة . إذا ، لهذه التصحيحات فائدتها ، خاصة في عرض البحر وحين تكون الرياح مواتية ، وتجعل البحار أكثر انتباها حين يخشى المرور في مكان خطر ، أو حين يدفع التيار السفينة بشكل ملحوظ . لكن حين تكون القناة ضيقة كالكاتغيت ، وحين تعاكس الرياح سير السفينة كما حصل معنا ، قد تؤدي هذه الوسائل إلى نتائج غير محمودة ، لأننا نردّ الخطأ عادة إلى قوة التيار وتنوعه . ومهما حاولنا اتباع القواعد الواردة في كتب الملاحة بدقة ، تطالعنا صعوبات جمّة عمليا فلا يمكننا تحديد مكان تواجدنا بدقة حين تتعدد الرياح المعاكسة . وحريّ بالملاحين اعتماد الملاحظات الفلكية للتأكد من تقديراتهم ، فمراقبة القمر تسمح بتحديد خط الطول في عرض البحر بدقة . واعتمد البروفسور ماير هذه الطريقة التي تنتشر بين الإنكليز ، فقد صادفت في بومباي ربّان سفينة وبحارا من مركبين مختلفين تابعين لشركة الهند الغربية يستعملان هذه الطريقة بنجاح كبير . وقد قمت بنفسي بدراسات عدة خلال الرحلة ، فأرسلتها من مرسيليا إلى البروفسور ماير الذي سعد بتلقيها ، وأمر بإرسالها إلى إنكلترا وهو على فراش الموت ليبرهن فائدة ألواحه القمرية . وطبعت هذه الدراسات في إنكلترا مرفقة بلوائح السيد ماير المصححة . في 10 آذار / مارس غادرنا مرفأ هلسنيوري للمرة الرابعة ، وعند الظهر أصبح رأس كول على مسافة ميلين وثلاثة أرباع منا ، ما بين الجنوب الشرقي وجنوب الجنوب الشرقي ، وأضحى ارتفاع القطب 56 ؟ و 27 ؟ ، مما يعني أن ارتفاع قطب رأس كول يبلغ 56 ؟ و 18 ؟ . وفي 12 آذار / مارس ، أضحى ارتفاع القطب 57 ؟ ، 58 ؟ ، على بعد 40 ميلا نحو الغرب ، إلى الشمال من صكاغن ( Skagen ) ، وتبين لنا هنا
--> ( 1 ) مقياس السرعة على متن السفينة .