شارل ديدييه

53

رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر

عسكرنا في المدينة ، وكأننا في الصحراء ، لقد نصبنا خيامنا على الشاطئ ، وسط عدد من المدافع المنصوبة في هذا المكان للدفاع عن الساحل - زعموا - ، وهي لم تستخدم ولن تستخدم أبدا ، لقد كانت متروكة هنا دون أن يكون قربها ظل حارس يسهر عليها ، ولا تستخدم إلا لعبا للأطفال يلهون بها ، ويعتلونها دون خوف وكأنها أحصنة خشبية . يمتد هذا الشاطئ الواسع والجميل كل الجمال بعيدا حتى سفح الجبل الذي يبدو منحدرا انحدارا عموديا في البحر . أما الميناء فيمتد إلى الجنوب وكأنه سماط أزرق ، / 28 / وتسد الأفق قمم سلسلة جبال سيناء الوعرة . لقد كانت السويس قبل وصولنا بفترة وجيزة ، مسرحا لاضطرابات شعبية ضد الأوروبيين الذين يسكنونها ، فقد تجمع الناس أمام منازلهم ، وبدأوا يكيلون لهم الشتائم ويهددونهم ، ويرمون نوافذ بيوتهم بالحجارة ، وكان يمكن لسلطات المدينة أن تعيد الهدوء إليها ببساطة ، لأن الشعب المصري لين العريكة ، ولا يحب الشراسة ، ولكن حاكم المدينة لم يأبه للأمر ، أو أنه تهاون في اتخاذ الإجراءات ، معتقدا - دون شك - أن مثل هذا التصرف لا يعدم أن يعجب الباشا الحاكم ، ويشجع الحقد المتطرف ، ولم يكن بالتالي من الحكمة أن يبدي الحاكم حماسة بالغة لضبط الأمور في مثل هذه الأحوال . ولكن العاصفة مرت بسلام ، ولم تخلّف أي أضرار ، وهدأت وحدها ، ولكن ليس دون أن تترك آثارها في الجالية الأوروبية في القاهرة . وصلنا والمعمعة محتدمة ، وتلقيت من يد مجهولة حجرا وأنا أتجول في أحد الأزقة الضيقة . وأقر أنه كان عليّ التزام الحذر الواجب في مثل هذه الظروف ، وعدم التخييم في العراء دون أن يكون لنا ما يحمي رؤوسنا إلّا سقوف خيامنا ، ولكننا مع ذلك لم نكن نستطيع التراجع عن خطوتنا الجريئة ؛ ولم يتعرض مخيمنا لأية مضايقة . ولكننا تعرضنا لحادثتين / 29 / من نوع آخر ، ويحسن أن أسجلهما لتكونا عظة للرحالة الذين يسيرون على خطانا في المعاناة من حياة الرحيل ومشكلاتها البسيطة التي لا تخلو منها الحياة الإنسانية عموما ، وحياة كل فرد على وجه الخصوص . كان يقوم على خدمتي شاب