شارل ديدييه

47

رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر

إليها أمر حماية البئر ، وكانت تأخذ رسوما من كل من يأتي للتزود بالماء . شربت حميرنا هنا لأول مرة ، ولعلنا نتخيل بأي شراهة فعلت ذلك ، بعد أن ظلت تسعا وستين ساعة محرومة من الماء ؛ قطعت خلالها مسافة ثمانية وعشرين فرسخا . لقد كان للموقع ، على الرغم من جفافه ، مظهر مدهش ؛ فهذه البئر التي تردها الجمال ، وذلك القصر المتداعي ، والبدو الذين يسكنونه ، كل ذلك يوحي إلى الفنان بفكرة لوحة أصيلة . كان هناك على بعد عدة فراسخ بئر أخرى ، تسمى بئر السويس ، بسبب قربها من المدينة التي منحتها اسمها ، ولكن ماءها أجاج ولا يصلح إلا للمواشي ؛ وهي محاطة بالأسوار أيضا ، وكانت في تلك الأثناء قافلة تحمل الرقيق قد توقفت عندها . كان العبيد السود عراة تماما ، ويجلسون على الرمل وقد اختلطوا بالجمال ، وهم يتناولون طعام الغداء المتواضع المكوّن من قبضة من التمر وقطعة / 21 / من الخبز العربي المدور والمرقوق كأنه الصحن ، والطري كالإسفنج ، عجينته لم تختمر ، ولم ينضج كما ينبغي له ، وقد وجدت له في كل مكان أكلته فيه طعما غير مستحب هو طعم النحاس . لم يكن يبدو أن أولئك الأحداث الذين أخذوا من أسرهم صغارا يشعرون بما هم فيه من أسى ، بل كانوا تحت مراقبة الجلاب وسوطه يترنمون فرحين بصوت خافت وكأنهم جماعة نحل . إن الرق في الشرق أقل صعوبة مما هو عليه في الغرب ، وستسنح لي الفرصة بلا شك كي أعود إلى الحديث عن تطور تجارة الرقيق ووضع العبيد عند المسلمين « 1 » . لقد تغير مدى الرؤية ، وبدأنا نلمح البحر الأحمر الذي تعجز الأوصاف عن نعت لونه الأزرق الصافي . وكانت جبال الجزيرة العربية تنتصب في الجنوب الشرقي ، ويعلو كل ذلك القمم الجرانيتية لسلسلة جبال سيناء الممتدة على شكل مدرج حتى أبعد نقطة في الأفق . كان منظرها رائعا ، وكانت

--> ( 1 ) سيتحدث ديدييه عن رفيق رحلته هذا ببعض التفصيل في ص 137 - 142 من أصل الرحالة الفرنسي الذي وضعنا أرقامه في النص العربي بين / / وسنذكر بعض المصادر الأخرى في المكان المشار إليه .