شارل ديدييه
42
رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر
مشروع كان يشغل حيزا كبيرا من تفكيره منذ أن لقيته . كنا ذات مساء نخيم قرب المحطة رقم ( 8 ) بعد يوم من السير قطعنا فيه عشر مراحل ، وكانت مشاهد الغروب تتكرر متطابقة في التفاصيل ؛ فالشرق / 14 / كما نعلم ليس بلد التنوع ، ما فعلناه البارحة سنفعله غدا وبعد غد ، وهكذا دواليك في كل يوم حتى آخر الزمن . كان الليل صافيا صفاء لا نجده إلا في سماء مصر ، كانت النجوم تلتمع كأنها جواهر مرصعة باللازورد ، وكأنها رمز شعار بيزنطة القديم قبل أن يؤول إلى العثمانيين في إستانبول . كان القمر هلالا يتطاول بجلال إلى قبة السماء . وكان عواء الكلاب في وسط الظلمات يدل على وجود مضارب بدو في الجوار ، وإن مثل ذلك الجوار كان يثير قلقا وخوفا مسوغين في الماضي ، وهو اليوم بلا أدنى خطورة ؛ مما جعلني أنام في خيمتي دون أي قلق ، ولم يزعجني إبان نومي أي عارض مقلق . ولم تكن القافلة في اليوم التالي جاهزة للمسير إلا في وقت متأخر عن اليوم السابق ، وكانت الشمس قد ارتفعت عندما لاحظت إلى يساري قصر دار البيضا ، كان محاطا بالأبراج ولا يختلف بقليل أو كثير عن القصير الصغير الذي كان يبنيه الإقطاعيون في القرون الوسطى ( في أوروبا ) . إن قصر العزلة هذا ، هو أيضا أحد أمكنة إقامة عباس باشا ؛ ذلك التركي المتوحش ، والمتعصب الذي كان يمقت المدن وخصوصا تلك التي يقيم بها القناصل الذين كانوا في رأيه أناسا مزعجين ، وكان يهرب منهم بقدر ما كان جده محمد علي يتقرب منهم ، ومع ذلك فإنه كان يظن أنه ليس بعيدا عنهم بقدر كاف . ولذلك كان يمقت الإسكندرية مقتا كبيرا ، ولا أظن / 15 / أنه زارها مرة واحدة خلال فترة حكمه : وكان يقول لكي يسوغ غيابه عنها : إنه « يرى فيها كثيرا من القبعات » . وكانت القاهرة نفسها تبدو له موبوءة بالطاعون الأوروبي ، ولكي يتلافى العدوي قام بإنشاء قصر العباسية على حدود الصحراء ، وكنا قد رأيناه ، خلال مرورنا ، ولكن ذلك القصر المنعزل سيبدو له بعد قليل شديد الاقتراب من القاهرة ، وانتهى به الأمر إلى الالتجاء إلى حضن الصحراء . كان يعيش هنا مع أكثر المقربين إليه ، ويا للمقربين ! كان على الدوام يؤجل أكثر الأعمال