شارل ديدييه

39

رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر

تلك هي النهاية الحتمية لذلك الحيوان الأثير الذي يصلح كل الصلاحية للمكان الذي ولد فيه . وبعد أن رأيت هدوءه وشجاعته وخضوعه فإنني أسميه بكل طيبة خاطر : شهيد الصحراء وليس سفينة الصحراء . لقد صادفنا في ذلك اليوم ، وفي الأيام التي تلته عددا من القوافل القادمة من الحجاز وهي تحمل الصمغ والتمر الهندي والرقيق الذي يؤتى به ليباع في سوق القاهرة ؛ وكان هؤلاء المساكين مربوطين مثنى مثنى على الرحال ، وكانوا في ميعة الصبا ، ولونهم أسود يتفاوت في شدة السواد ؛ وقد جيء بهم من حدود دارفور ، ومن الحبشة ، وكان التجار الذين يسمون ( جلاب ) يأتون بهم أولا إلى جدة عبر سواكن والبحر الأحمر ، ولا يحملون إلى مصر إلا أولئك الذين لم يستطيعوا بيعهم بسعر رابح في الجزيرة العربية . وكان في إحدى تلك القوافل / 11 / امرأة من سكان مكة المكرمة كانت ترتدي ثيابها الفاخرة التقليدية ؛ كانت على ظهر جملها تعلو عن الأرض سبعة أقدام ، وتحميها من الشمس مظلة بيضاء كبيرة ، وكانت محجبة بإحكام كما ينبغي على أية مسلمة ملتزمة . ومع أنها جاءت من مكة المكرمة ، وولدت فيها ، فإنها لم تجد حرجا من الكشف بإدلال عن وجهها عندما مرت بنا ، لقد كانت جميلة وشابة . لقد كان فيما فعلته مخالفة دينية ، ولكن ما يغفر لها ذلك هو أننا من ( الجاورين Giaours ) الكفار . ولا بد من الإشارة ، لكي تكتمل لائحة المقابلات في ذلك اليوم ، إلى عمّال البريد الذين كانوا ينهبون الطرق تاركين العنان لخيولهم التي كانوا يستبدلونها بسرعة في كل محطة ، وكانوا يقطعون المسافات بينها بسرعة ، كانوا يسبقوننا أو يمرون بقربنا بسرعة البرق فلا نكاد نراهم حتى يختفوا عن الأبصار . تسير الجمال بسرعة أقل ولكن إلى مسافات أطول . كانت أعيارنا القوية تسبق الجمال التي لا تقطع إلا ميلين أو ميلين ونصفا في الساعة ؛ لذلك توقفنا في منتصف النهار لمدة ساعتين للاستراحة وانتظار القافلة ، لقد بدأنا ونحن مستلقون على الرمال على قارعة الطريق الرئيسي بالإعداد لتناول غداء تقشفي ، كان يعتمد أساسا على البرتقال الذي اشتريناه من البائعة المسكينة في المحطة رقم ( 4 ) . / 12 / وكانت أسراب الغربان والصقور