شارل ديدييه

46

رحلة إلى الحجاز

الحائط . وقد رأيت في اللحظة التي تليها منظرا مناقضا وكأنه رسم كاريكاتوري ( ساخر ) للوحة الرائعة الأولى : رأيت جملا هزيلا يجر متثاقلا عربة قديمة ؛ لكأنني كنت أرى علائم الدهشة بادية على ذلك الجمل المسكين بسبب عمله الذي لم يعتده ! لم تكن عجلتا العربة ذواتي شكل دائري بل كانتا بيضاويتين ، وتصدران جلبة وصريرا تحت الجازع . لقد كانت تلك الآلة البشعة ، وهي تقليد غير متقن لعربات النقل ، تحتك بقائمتي ذلك الحيوان المسكين ، وتعيق حرية الحركة لديه حتى إنه لم يكن يتمكن من السير إلا بصعوبة وبارتباك يبعث على الضحك . ما أوسع الشقة بين هذا التجديد البربري والغبي ، وبين المظهر الرائع الذي يبدو عليه الجمل وقد علاه الأعرابي حسب وظيفته المعتادة في الطبيعة . / 10 / كان هناك أيضا منظر أكثر إثارة للاشمئزاز ، إنه منظر جيف الجمال المنتشرة على الطريق ، بعضها أكلت الحيوانات اللاحمة نصفها ، وبعضها الآخر أفسدته الشمس . عندما يصل الجمل إلى مرحلة الإرهاق يسقط بما يحمله ، ولا تستطيع قوة إنسانية أن تجعله يقف على قدميه ثانية ؛ عندئذ يوزّع حمله على الجمال الأخرى التي ما زالت تحتفظ بقوتها ، ويترك الجمل لمصيره المحتوم : يموت من الجوع في المكان الذي سقط فيه ، ويصبح بعد موته بقليل طعاما للضباع والنسور . تلك هي النهاية الحتمية لذلك الحيوان الأثير الذي يصلح كل الصلاحية للمكان الذي ولد فيه . وبعد أن رأيت هدوءه وشجاعته وخضوعه فإنني أسميه بكل طيبة خاطر : شهيد الصحراء وليس سفينة الصحراء .