شارل ديدييه

372

رحلة إلى الحجاز

دوكيه ، والإخوة ساوة ، كانت هذه الحفنة الصغيرة من النصارى الذين جمعتهم المصادفة حول تابوت ، يشكلون وحدهم الجماعة التي تشيّع هذا المسيحي الذي قضى نحبه في ديار المسلمين . لقد حذرونا من تطرف العامة ؛ ولكنهم ( العامة ) بدوا على العكس خلال مرورنا هادئين ، ومحتشمين ، وتكاد تبدو عليهم علائم الوقار « 1 » . خرجنا من باب اليمن ، وبعد أن اجتزنا سهلا رمليا يغمره البحر في حالة المد ، وصلنا إلى مقبرة صغيرة مسوّرة ، ومخصصة للأوروبيين « 2 » الذين يدركهم الموت في هذه البلاد البعيدة . وكان ينقص مراسم التشييع الوقار والخشوع . لم يكن المتوفى إبّان حياته محترما أو محبوبا ، ومع أن الموت يطهر الذكريات ، ويخمد الأضغان ، فإن مصير القنصل لم يكن في ساعة الموت يوحي بالرثاء الذي يستحقه . ومهما يكن الدور الذي أديناه في الحياة فإنه مصير محزن أن يدركنا الموت بعيدا عن الوطن والأهل ، محاطين بمن لا يهمهم أمرنا وبالأجانب ، وأن نقول ونحن نلفظ الأنفاس الأخيرة : " أموت بعيدا وليس حولي صديق ليغلق جفنيّ ، ويبكي عليّ " .

--> ( 1 ) هذا التحذير من الجماعة ليس له ما يسوّغه ؛ إذ المشروع أن نحترم الجنازة مهما كانت ، ولعل حديث قيام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لجنازة اليهودي عندما مرت أمامه في المدينة المنورة دليل على ذلك . إذ ورد في سنن أبي داود ، باب القيام للجنازة قوله : حدثني جابر قال : كنا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ مرت بنا جنازة فقام لها : فلما ذهبنا لنحمل إذا هي جنازة يهودي ، فقلنا : يا رسول اللّه ! إنما هي جنازة يهودي ، فقال : " إن الموت فزع فإذا رأيتم جنازة فقوموا " . ( 2 ) يقول بوركهارت في رحلاته . . . ، موثق سابقا ، ص 191 : " . . . إذا مات شخص مسيحي هناك ، فمن غير المسموح به أن يدفن على الشاطئ ، وإنما يحمل جثمانه إلى جزيرة رملية صغيرة في الميناء . . . " ، انظر سابقا الحاشية رقم ( 168 ) وخروج ديدييه وأصحابه من باب اليمن يعني أن المقبرة جنوب جدة .