السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

56

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

وكان بعضهم شديد العناية بأمر المال كثير الضنّ به ، فإذا قيل له في ذلك أنشد : كلّ النّداء إذا ناديت يخذلني * إلّا النّداء إذا ناديت يا مالي وكان المبرّد يقول : الدرهم ذو جناح إن حرّكته طار ، والدينار محموم إن أزعجته مات . ومن كلام الكندي لابنه : إنّ مالك إذا خرج من يدك لم يعد إليك ، وليس كان مثل يكون . ومثل الدرهم مثل الطير هو لك ما دام في يدك ، فإذا طار فهو لغيرك . وأعرف بيتا قد أبات أكثر من مائة ألف إنسان في المساجد ، وهو قول القائل « 1 » : فسر في بلاد اللّه والتمس الغنى * تعش ذا يسار أو توت فتعذرا فاحذر بنيّ أن تلحق بهم ، وتكون منهم . ولتكن مع الناس كلاعب الشطرنج تحفظ شيئك وتأخذ بشيء غيرك . وكان هذا الرجل إذا صار الدرهم في يده خاطبه وناجاه ، وفدّاه واستبطاه وقال : بأبي أنت وأمي كم من أرض قطعت ، وكيس خرقت ، وكم من خامل رفعت ومن رفيع بمفارقتك إيّاه أخملت . لك عندي ألّا تعرى ولا تضحى ، ثم يلقيه في كيسه ويقول : أسكن على بركة اسم اللّه في مكان لا تزول عنه ولا تزعج منه . ومن نوادر البخلاء ما حكاه محمد بن أبي المعافى التميمي قال : كان أبي منتحيا عن المدينة ، وكانت إلى جنبه مزرعة فيها قثّاء ، وكنت صبيّا قد ترعرت ، فجاءني صبيّان من جيراننا ، وكلّمت أبي ليهب لي درهما أشتري به قثّاء ، فقال لي : أتعرف حال الدرهم ؟ كان في جحر جبل ، فضرب بالمعاول حتى استخرج ، ثم طحن ، ثم جعل في القدر وصب عليه الماء ، وجمع

--> ( 1 ) البيت من قطعة لعروة بن الورد مثبتة في ديوانه ، ووردت في العقد الفريد 3 / 31 منسوبة لربيعة بن الورد وهو تحريف ، وأوردها ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 / 243 بدون عزو . تراجع ترجمة عروة بن الورد ومصادرها في أنوار الربيع 6 / 227 .